الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٩٧الإباضية في موكب التاريخ
195
الإباضية في ليبيا (1)
ويتقوى في النصف الشرقى من الجبل الأشم، فلم يهتم له أبو عبيدة ولم يبال به؛ لأنه لم يكن من طلاب التوسع أو الراغبين في تمديد الحكم عَلَى أوسع رقعة، وَإِنَّمَا شمر للقيام بما أنيط به، والعمل على توفير أسباب الراحة والاطمئنان، فأعطى الْحَقِّ، ونشر العدل، وبسط الأمن، كما فعل سلفه أيوب بن العباس، وسكت "خلف" في بادئ الأمر كأنه يزن هذا الرجل الجديد، فَلَمَّا رآه لا يلتفت إليه ولا يتحكك به ظن فيه الضعف؛ فبدأ يناوشه ويغير على بعض القرى المتطرفة، ويتعدى الحدود بينهم، فطلب إليه العامل العالم الشجاع أن يترك هذا. الاستفزاز، وأن يكف عن هذه الأعمال التي لا يقوم بها مسلم يرعى الله في دينه وفي عمله ولكن "خلف" اعتز بالإثم، وواصل العدوان.
بعث خلف بعثة عسكرية من الفرسان فأغارت عَلَى حدود حوزة أبي عبيدة، وقتلت ونهبت في قرية "أدرف" التي لا تبعد عن "جادو" بما يزيد عن 6 كيلو مترات، ووصل الخبر إلى أبي عبيدة، وتحقق من وقوع الغارة، وعلم أن ما لا يقل عن عشرة من المسلمين المسالمين ظلما أريقت دماؤهم وعدوانًا، وأنه قد استحلت أموال وانتهكت أعراض، فقال لأصحابه لا يحل لنا السكوت بعد هذا العدوان وخرج لتأديب هذه البعثة فلقيت منه الصفعة المؤلمة التي يوجهها الأب أو المربي إلى خد الابن العاق، او التلميذ الشرير.
على
وَلَمَّا تولت هذه البعثة منهزمة فارة أصدر أمره إلى جنده أن لا يتبعوا مدبرا، ولا يجهزوا
جريح
الخلفاء
وأن لا يستحلوا مالا، أو يغنموا شيئًا .. إنَّه ذلك الموقف الذي عرفته من الراشدين، وعرفته في سيرة الحارث، وأبي الخطاب، وأبي حاتم .. إنَّه نفس الموقف لا يتغير إلا في الزمان والمكان سيرة عطرة، ووقوف عند حدود الإسلام وتخلق بخلق الإنسانية الرفيع. بعد أن ورجع هذا المثل الرائع، وبرهن أنه قوي حين تستدعي الظروف القوة، ضرب وعنيف إذا تطلب الموقف العنف، وشديد إذا كانت مصلحة الأمة تتوقف على الشدة، ولكن هذه القوة وهذا العنف وهذه الشدة لا تبلغ حد الطغيان، ولا تتجاوز الحدود التي رسمها
الإسلام لرد العدوان.