الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٩٨الإباضية في موكب التاريخ
196
الإباضية في ليبيا (1)
وَلَمَّا رجع العامل القوي إلى مركزه، بعث رسالة إلى "خلف" يقول فيها وهو يرجو أن يحقن بذلك دماء المسلمين: " وإذا نزعت يا خلف يدك عن الطاعة فكن في حيزك وأكون في حيزي وما بال الحرب".
ووصلت الرسالة إلى "خلف" فماذا فهم؟! إن الشيطان إذا نفخ بالغرور في قلب إنسان لا يترك فيه مجالا للاستبصار والرشاد .. إن "خلفا" لَمْ يفهم إلا أن أبا عبيدة قد كان له صفعة مؤلمة يجب أن يردها له بأعنف منها، وأن أبا عبيدة هذا ما بعث بهذه الرسالة اللينة الوادعة القائمة، وما رضي بإقامة الحدود بينهما إلا لأنه شعر بالخوف، وأحس في نفسه ورجاله الضعف، وإذا كان كذلك فلماذا لا يهجم عليه هجمة يستولي بها على الحوزة التي يتولى أمرها هذا الرجل الخائف الذي يقنع بإقامة الحدود.
إن تفكير "خلف" لا يسمو به إلى تفكير أبي عبيدة" ولذلك فهو لا يفسر الإلحاح في طلب السلام إلا بالضعف والخوف؛ لأنه لا يقيم لأموال المسلمين ودمائهم وزنًا، فهو من أولئك الرجال الذين يعيشون تحت ضغط الشعور بالحقارة، فهو يبذل كل مجهود ليكون لنفسه سلطة، وليظهر بين الناس بمظهر العظمة.
وأعد خلف عدته، وكون جيشًا لجبا، وهجم عَلَى "أبي عبيدة" في حين غفلة، ولما بلغ الخبر أبا عبيدة كان الجيش المعتدي قريبا من مركز أبي عبيدة، فلاقاه بمن حضر من الرجال الأبطال، ولما تراءى الجمعان كان جيش أبي عبيدة لا يتجاوز ألفا، وكان جيش خلف لا يقل عن أربعين ألفا، وبدأت حرب الأعصاب، ولعب الغرور بقلب الفتي، فزين له الشيطان سوء علمه، فأطلق جمعا من جيشه اللجب في القرى المجاورة الوادعة، وفي الناس الآمنين المسالمين يعتدى وينهب ويسلب ويقتل ثُمَّ بعث إلى أبي عبيدة يطلب منه الانسلاخ من بيعة الإمام الرسمي، وبيعة خلف.
انقلاب في التفكير، وقلب للأوضاع، ونظرة حولاء لا تستبين الْحَقَّ ولا تهتدي إلى سبيل الرشاد؛ وحاول العامل الحكيم أن يقنع الوفد الذي يطالب بالبيعة لهذا الباغي الذي لا يفرق