الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٩٩الإباضية في موكب التاريخ
197
الإباضية في ليبيا (1)
بين الحلال والحرام من شرع الله ولا يلتزم الحدود التي حدها الإسلام، فَلَمَّا ألزمهم الحجة، رجعوا إلى قائدهم يحملون إليه خبر الفشل وتصميم الرجل على الدفاع. سلك أبو عبيدة كُلّ طريق الحقن الدماء، وإراحة المسلمين من مصائب الحرب ودمارها، ولكنه لم يجد إلى ذلك سبيلا .. وفسر عدوه هذا الموقف النبيل، وهذا التحريج، بالخوف والخشية، بل لقد سولت لخلف نفسه أن يبعث لأبي عبيدة من يقول له: " دع عنك القتال، فإنك لا طاقة لك اليوم بمقابلة خلف وعساكره ولا حاجة لك في لقائه" (1). .. وغضب الرجل الشجاع! هل بلغ الموقف بالطامعين إلى هذا الحد؟ هل ظن المغرور أن أبا عبيدة لم يتخذ هذا الموقف إلا خوفا منه، وطلبا للسلامة، وتحاميا للسيوف القواطع، وهنا برزت تلك القوة التي يغطيها الرجل العظيم باللين؛ تلك القوة التي يودعها الله في قلب من يشاء من المؤمنين الأوفياء ..
إنَّه الغضب الله، الغضب الذي لا يبرد إلا بإحقاق الحق، فأقسم بكل لغة يحسنها لهذا المغرور قائلا: "لأقاتلن خلفًا، ولو ألقاه منفردًا بسيفي هذا" وضرب بسيفه على فخذه، ثُم طلب ماء فاغتسل وتوضأ وصلى ركعتين لله، وتوجه إليه بقلب المؤمن الذي لا يلجأ إلا إلى الله فيما دق وعظم من أمره، وقال في دعائه: "اللهم يا من لم أعرض عنه منذ استقبلت أمره، لا تفرق هذه العصابة إلا عَلَى يدي، إنك عَلَى كُلِّ شيء وبعد ذلك تهيأ لرد
قدير"
(2)
العدوان وبدأت الحرب، ولكنها لم تستمر طويلا، فلقد انهزم الجيش اللجب القوي، الذي يتكون من أربعين ألفًا، وانتصر الجيش الصغير الذي لم يبلغ ألفًا من الأبطال. وعندما ولى المنهزمون الأدبار، صاح أبو عبيدة بصوته القوي الأمر الذي يعرفه المؤمنون إذا من الموحدين، صاح في أصحابه: "لا تتبعوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تتعرضوا لمسالم، ولا تستحلوا مالا"، فاستمع الجند لكلمة القائد المظفر، ووقفوا عند حدود النصر، فلم يبغوا، وَلَمْ يطاردوا هذه الفلول المعتدية ليثخنوا فيها الجراح، ويكثروا فيها
حارهم
البغاة
1) انظر: السير نفس المصدر السابق، ترجمة أبي عبيدة.
(2) نفس المصدر السابق، ترجمة أبي عبيدة.