الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٠٠الإباضية في موكب التاريخ
198
الإباضية في ليبيا (1)
يرتفع
القتل، وَلَمْ يذهبوا إلى أرضهم ليحتلوها ويطردوا منها خلقا فتذوب أحلامه، ولم يقطعوا الرؤوس ليرسلوا بها إلى تاهرت عاصمة الإمامة فيكون هذا الرأس وسيلة أخرى شأن أبي عبيدة عند الإمام .. إنَّهم لم يفعلوا شيئا من ذلك؛ لأن الإسلام لا شيئا من يبيع وهم إن لم يقفوا عند حدود الإسلام في هذا الموضع فأحرى بهم أن لا يقفوا عند حدود في غير هذه المواضع.
و انكمش خلف وتفرق عنه الأتباع، وتبخر الحلم الذي كان يملأ رأسه، ولكن أبا عبيدة لَمْ يستغل هذه الظروف ليثب على تلك الحوزة فيدخلها تحت الطاعة؛ لأن الحكم عند أبي عبيدة وأضرابه لم يكن القصد منه جمع الضرائب واستغلال السلطة وتكديس الثروة لترفيه صاحب السلطان على حساب الشعب، بسبب ما خول له من وظيفة وأسند له من عمل ومنح له من ثقة. ولكن الحكم في نظر أبي عبيدة مسؤولية تلقى عَلَى العاتق يتجرد فيها المسلم المؤمن من أعماله الخاصة، ليتولى شؤون الأمَّة العامة، فيتولى قويهم بالتربية والتهذيب، ويتولى ضعيفهم بالعناية والرأفة والرحمة ويوصل الحقوق إلى أصحابها من أقرب السبل في أقرب الأوقات، ويعدل في الأحكام، ويوفر الأمن والطمأنينة والسلام وليس له مقابل ذلك غير ما يقيم أوده من طعام بسيط ويستر ظهره من لباس بسيط لا ترف فيه ولا إسراف، وليس له بعد ذلك حق التصرف فيما يجمعه من مال ليضمن به مستقبله ومستقبل أبنائه كما يفعل الناس في هذا العصر؛ لأن كُلّ الخيرات التي تستخرج في زمن ما هي إلا حق لأبناء ذلك الزمن، لا تدخر لغيرهم، ولا تمنح لسواهم، أما المستقبل فبيد الله، ولا يفكر فيه الإنسان؛ لأن تفكير الإنسان لا يمتد إلى ما بعد الحاضر، أو المستقبل القريب، وعلى هذا التفكير كان يعيش أولئك المسلمون، الذين حملوا رسالة الله فقد مات محمد الله وَلَمْ يترك لبناته وأقاربه ما يمكن أن يورث، وعاش أبو بكر الله له على القوت الضروري، واللباس الضروري، وخدم عمر الإسلامية خدمة بلغت النهاية في الإخلاص والتضحية، وفتح لها وبما مشارق الأرض ومغاربها، وكانت زوجته الحبيبة طوال خلافته تتمنى قطعة من الحلوى الحلوى الرخيصة التي توجد في بيوت المتوسطين والفقراء، فلم تظفر زوجة أمير المؤمنين الغالية بهذه الأمنية
الأمة