الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٠١

الإباضية في موكب التاريخ

199

الإباضية في ليبيا (1)

الرخيصة، وعندما اقتطعت لمن هذه الحلوى من القوت الضروري الذي كان يتناوله عمر وآل بيته، رأى عمر أن ذلك زائد عن استحقاقه اليومي، فرده إلى بيت المال! ..

إِنَّه لَمْ يأخذ من الأمة حتى حق الأجير الذي يعمل في الحقل أو المصنع، ولم يطالب بتحديد ساعات العمل ليكون الوقت الباقي لنفسه وأهله وعياله وعلى هذا النمط كان يسير أولئك العمالقة الذين يسهرون عَلَى شؤون الأمة، ليلهم ونهارهم، ويؤرقهم أن يبيت فرد من الأمة عاريا أو جوعان ويحز في نفوسهم أن يتعطل حق من الحقوق، فلا يصل إلى صاحبه في أسرع وقت.

إنَّهُم وقد تقلدوا هذه المسؤولية العظمى، وتحملوا تلك الأمانة الغالية، ووضعت فيهم تلك الثقة العظيمة، حسبوا أَنهُم أقل من أجراء فوضعوا أنفسهم وأموالهم ومالهم من قوة البدن، وقوة العلم، وقوة الفكر، وضعوا كُلّ ذلك لخدمة الأمة، وهم يشفقون مع ذلك أن تكون أعمالهم تلك غير مقبولة عند الله.

إن تولي الإمارة والقيام بمهمة الحكم في الأمة الإسلامية، لا يعني سوى تضحية الفرد، تضحية كاملة، ينسى فيها نفسه وأهله وقرابته من أجل هذه الأمة التي أولته الثقة، وحكمته في مصيرها وشؤونها.

(1)

تحدث أبو العباس الشماخي عن البطل الذي يندر أن تجد له مثيلا فقال: "وكان أبو عبيدة شديد الشكيمة قوى العريكة، لا تأخذه في الله لومة لائم " (1). إِنَّهَا شهادة رائعة من مؤرخ أمين مطلع على أسرار التاريخ، عارف بسير الرجال، فهل لأبي عبيدة شواهد من هذا التاريخ تسند هذه الشهادة، وتثبت هذا الحكم؟

إن الباحث الذي يريد أن يدرس حياة هذا العامل الصادق المخلص يجد في سيرته عشرات الشواهد والشهادات، ويكفي عن كل ذلك فيما يظن شهادة أربعة أعلام أجمعت أمتهم حينئذ أن كل واحد منهم يقوم مقام مائة؛ إِنَّهُم الوفد الذي سافر من جبل نفوسة إلى تاهرت، لينصروا الإمام في الميدانين العسكري والعلمي، ولَمَّا أعجب بهم الإمام سألهم: هل

1) نفس المصدر السابق.