الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٠٢

الإباضية في موكب التاريخ

الإباضية في ليبيا (1)

تركوا أحدا في الجبل يبلغ ما بلغوا إليه من العلم والخلق والدين. قالوا: "تركنا من هو خير منا (1): أبا عبيدة عبد الحميد الجناوني"، فكانت هذه الإجابة منهم أوكد شهادة عرفها التاريخ في الاعتراف بِالْحَقِّ والفضل.

وشاءت إرادة الله أن يزور الإمام عبد الوهاب جبل نفوسة - هذا الجبل الشامخ، الضارب في السماء الذي نسميه الآن الجبل الغربي - في حاشية عظيمة من أهل العلم والفضل والأدب، وأن يختار قرية "ميرى" التي تعتبر قلب الجبل في ذلك الوقت مركزا لإقامته، وأطلق سراح الخيل بعد عناء السفر الشاق، هذه الخيل التي حملت الركب العظيم من تاهرت إلى جبل نفوسة، فتساهل الرعاة في حفظها إكراماً لها، واحتراما لمن جاء عليها، فدخل بعضها إلى الغابة، ونالت من هذه الغابة التي يحرص الناس عليها؛ لأنَّها مدار زراعاتهم، ومنبت أرزاقهم، وكان أبو عبيدة في ذلك الحين رجلا عاديا من سائر الناس لا يمتاز عنهم بشيء غير ما يقدمه لربه، فلما سمع بوصول الإمام إلى قرية ميرى" وبتهاون رعاته في رعاية الخيل وحفظ المزارع منها، خفَّ إلى ملاقاة الإمام، لا ليسلم عليه ويرحب بمقدمه، ولا ليتملقه ويتزلف إليه، لَمْ يَخفّ إليه لذلك وَلَمْ يذهب إلى الإمام ليرفع إليه الشكاة، ولم يراع سلسلة المراتب، فيتقدم إلى العامل أولا، ليكون هذا العامل هو واسطة الحديث، ولكن وقف أمام الإمام وقبل أن يرفع إلى أعتابه العالية، ومقامه السامي أرق التحايا، وأخلص النوايا، كما يفعل المتملقون من طلاب الدنيا الذين يتزلفون للحكام، قبل أن يفعل شيئا من ذلك صرخ بصوته القوى، الذي يعتز بالإسلام وبالحق. قال: "انة الرعاة عن المضرة، إن لم تعرف فقد أعلمناك، وإلا فصل بيننا هذا" (2) وهز السيف في وجه الإمام الضيف.

كان الإمام ينظر إلى هذا الرجل الخشن القوي العنيف في إعجاب، ثُمَّ سأل عنه من يكون؟ فقيل: أبو عبيدة عبد الحميد، وذكر الإمام شهادة الوفد في تاهرت فقال: صدق الشيوخ، هو

مثلهم أو خير منهم.

(1:انظر الأزهار الرياضية، ص 143. (انظر: الأزهار، ص 143. والسير، ص 189.