الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٠٣

الإباضية في موكب التاريخ

201

الإباضية في ليبيا (1)

ثُمَّ ابتسم الإمام في بشر وتواضع وأصدر أوامره المشددة على الرعاة لتحرص على حفظ

أموال المسلمين. فهل تكفي هذه الحادثة لتكشف عن الخلق العظيم الذي يتحلى به هذا المسلم المؤمن؛ إنك تستطيع أن تضعه في صف ذلك المؤمن الذي أجاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حين هدد بإمالة رأسه إلى الدنيا فقال له: إذن نقومه بالسيف" فحمد الله أن جعل في المسلمين من يملك من القوة والشجاعة ما يردع به حكام الدولة، ويلزمهم السير في الطريق (1) الذي اختاره الله ورسوله لسلوك البشرية الواعية.

اللا

إن أول عمل قام به أبو عبيدة بعد أن تولى أمر المسلمين في الجبل أن أدب رجلا دعا بدعوى الجاهلية فقال: "يا آل فلان"، يستنجد بقبيلته .. وإنك إذا أردت أن تعرف من أعماله مثل هذه الحادثة فستحتاج إلى صفحات كثيرة.

إن هذا الكتاب ليس كتاب تاريخ خالص يحصي الخطوات ويسلسل الحوادث، ويربط الأحداث بعضها ببعض؛ إنَّه صور مشرقة من أولئك الذين ملأوا الدنيا حقا وعدلا ومروءة وشهامة واستقامة، إِنَّهُم أولئك الذين كانوا على الإسلام الحق في حربهم وسلامهم، في عقيدتهم وعبادتهم، لَمْ تمتد أيديهم إلى زخرف الدنيا بالباطل، ولَمْ تلوث سيوفهم بالدماء المظلومة، وَلَمْ تَمتزج عقيدتهم بالبدعة المنحرفة، ولم تمتزج عبادتهم بالخرافة الضالة. ولعله من المناسب أن أختم هذا الفصل بما جاء في كتاب السير القيم: " … ومال إلى ما طبع عليه من الورع، واطراح واطراح الحرص على الدنيا وترك الطمع، وكان غاية في إنفاذ الأمور وإمضائها، وقائما بالمدافعة لأحوال البغاة ودفاعها، ووافيا بما أمر من إصلاح النفس والدين والدنيا وتحصينها، ولما ولي أحسن السيرة" (1).

(1) اللاحب هو الواضح البين. (المراجع)

2) السير، 179.