الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٠٤

الإباضية في موكب التاريخ

202

الإباضية في ليبيا (1)

العباس بن أيوب)

بطل من أبطال الكفاح، ومؤمن من أخلص المؤمنين .. رجل من أولئك الرجال الذين خلقوا أقوياء لتحمل الأعباء الثقال .. أولئك الرجال الذين يضعون أنفسهم لخدمة الأمة، وصيانة الدولة، وإقامة الْحَقِّ .. إقامة الْحَقِّ دون نظر إلى من يقام عليه الْحَقِّ .. ومع هذه القوة أناة يزينها الحلم، وتفكير تسدده الاستشارة، وتردد في بعض المواقف يفرضه استبانة الْحَقِّ، واستيضاح الدليل …

كتب مشايخ نفوسة إلى الإمام في تاهرت يعزونه في أبي عبيدة، ويطلبون منه إسناد أمرهم إلى وال آخر، يكون قويا في دين الله حريصًا عَلَى المؤمنين؛ ففوض إليهم أمر الاختيار، وأخبرهم أنه سوف يولي عليهم من يشيرون به .. فتشاوروا وأجمع أمرهم على العباس بن أيوب، وكتبوا إلى الإمام برأيهم دون أن يخبروه.

أصدر الإمام أمر الولاية إلى العباس، وبعث إليه برسالة التولية، فلم يفرح بالمنصب، وكم يتهرب من المسؤولية، وَلَكِنَّهُ جمع الناس وأبلغهم رسالة الإمام، واستشارهم في أمورهم، ودرس معهم ما جدّ من الحوادث والمشاكل ثُمَّ رتب أموره، وهيأ نفسه للقيام بالمهم العظمى الملقاة على عاتقه.

كان "خلف" قد انكمش بعد الضربة القوية التي وجهها إليه أبو عبيدة عندما غرته نفسه، ومنته الأماني، فهاجمه في مركز حكمه، وَلَمْ يتحرك بقية مدة ذلك العامل القوي؛ فلما توفي أبو عبيدة وبقيت البلاد بدون عامل وانصرمت أيام طوال تجري فيها المخاطبة بين رجال الشورى والإمام في تاهرت، تحرك الشيطان للعمل، ووسوس لخلف فأوحى إليه أن الفرصة سانحة، وأن هذا وقت العمل لتحقيق الحلم اللذيذ .. الحلم الذي كان يداعب خلفا ليرتفع إلى مرتبة السلطان، ويتربع على كرسي الحكم. وتحرك الرجل من جديد، وبدأ في تجهيز الجيوش

1) ذكره أبو زكريا في الطبقة الخامسة فهو من علماء النصف الأول في القرن الثالث، كان عاملا على حيز طرابلس للإمام أفلح بن عبد الوهاب.