الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٠٥الإباضية في موكب التاريخ
203
الإباضية في ليبيا (1)
وإعداد العدة فما يكون موقف العباس بن أيوب، أو توفيق بن أيوب كما يحلو لأبي مرداس
أن يسميه.
بعث العباس بن أيوب العامل الجديد إلى خلف أن يكف عن العدوان، وأن يلتزم حوزته، و أن لا يتعدى على أموال الناس وأرواحهم، ولكن خلفًا أخطأ مرة أخرى في فهم هذه الرسالة، وظن هذه الملاينة مرة أخرى ضعفًا وخشية لقوته ورهبة من جيشه، فتمادى في غيه، وأصر على موقفه واستمر في عداوته وسار بجيشه الكثيف، نحو مركز العامل الحريص على سلامة البلاد والعباد.
وَلَمَّا علم العامل الفتى الشجاع هذا الموقف من خلف، ورأى منه هذا الإصرار والعناد، وسمع بمسيره نحوه استعد له وكون حملة لتأديب هذا الرجل العاق، الذي ينحرف عن الله الإسلام، ويستحل ما حرم من دماء المسلمين وأموالهم والتقى الجيشان داخل حوزة العباس وتراءى الجمعان …
كان جيش خلف كالموج الزاخر، يضطرب بالفرسان كثير العدد، حسن التجهيز، وكان جيش العباس عبارة عن حملة تأديبية عبارة عن سرية صغيرة قصد منها رد العدوان .. ورأى بعض ضعاف النفوس من جيش العباس، هذه الكثرة الهائلة في جيش العدو، وهذا الاستعداد المتين فخاف العاقبة، فذهب إلى أبي مرداس وهو من رجال الشوري الذين يؤثرون على قائد الجيش، ذهب إليه ليكشف له عن رأيه، ويبين له أن العدو يفوقهم عددًا عددا وعدة، ولكن أبا مرداس أجابه إجابة المؤمن الواثق بربه الراجي للنصر، العارف بقيمة الأبطال، الذين يحاربون
إلى جنبه .. الأبطال الذين يحاربون عن الْحَقِّ، ويرغبون في الشهادة، ويثبتون على المبدأ .. إن الفرق كبير جدًا بين رجل يحارب من أجل جاه أو مال ورجل يحارب من أجل حق وعقيدة؛ إذ أن الأوَّل إذا تعسر عليه الحصول على الجاه أو المال تركها محافظة على الروح، محافظة على سلامة نفسه، أملا أن يجد فرصة أحسن، ووقتا أكثر ملاءمة .. أَمَّا الثاني فإن أوَّل ما يقدمه هو روحه، ولذلك فليس له إلا أحد اثنين إما النصر، وَإِمَّا الشهادة، وليس له شيء يُحافظ عليه، ويبقي على سلامته.