الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٠٧

انتهى

يقضي

الإباضية في موكب التاريخ

الإباضية في ليبيا (1)

الفلول حتّى تجاوزت وادى الآخرة (1)، وهو آخر الحوزة في ذلك الحين، وقضى منذ ذلك الحين على هذه الفكرة التي كانت تراود خلفا، فلم يحلم بها من بعد، ولم ينهض لقتال .. خلف بعد هذه الصفعة المؤلمة فلم يعد يحلم بالإمامة، وَلَمْ يطالب بالبيعة، ولم يعد يباشر عمل السلطان الغشوم؛ يقتل الأرواح ويسرق الأموال ولكن أولئك القوم الذين كانوا يناصرونه ويعقدون عليه آمالا طوالا وتعودوا العدوان بالغارة، واستمرؤوا طعم النهب والسلب واستحلوا الأموال بالباطل، أولئك القوم لَمْ ينفكوا عن موقفهم؛ فكانوا يغيرون على أطراف الحوزة يقتلون ويسلبون ويغزون .. وَلَمَّا أصبحوا لا يجتمعون تحت إمرة قائد عظم خطرهم وكثرت غاراتهم وتواصلت تعدياتهم ولهذه الأسباب قرر العامل الحازم أن على هذا الفساد، وأن يفرض الأمن على البلاد التي لا تخضع لحكم ولا تتبع نظاما، وكون جيشه القوي، وسار فكان الناس يتسابقون إليه مرحبين به منضمين إليه، وقد تعترضه شراذم متفرقة فتراق دماء، وتذهب أنفس، وكان أبو مرداس من أخلص المستشارين وأحرص المؤمنين على مصلحة الأمة، وأكره الناس لإراقة الدماء، فلما رأي تسابق الناس وترحيبهم بعامل الإمام أمل أن يتوب أولئك العصاة المارقون دون قتال أو استعمال شدة، فجاء إلى العامل الذي يزمع التقدم ينصحه بالرجوع، ويطلب إليه أن يعطي القوم فرصة لعلهم يفكرون فينضمون إليه، أو يقلعون عن الشغب، ولكن العباس وقد استعد وصمم على إقرار الأمن، رأى أنه لا داعي للرجوع بعد أن أمن مجموعة من القرى والمدن، وأقبل الناس عليه فرحين مستبشرين، وهو يأمل أن يتم هذه المهمة في أسرع وقت؛ فقال أبو مرداس: "ارجع وإلا صحت في الناس أن يرجعوا" .. وَلَمَّا رأى العامل هذا الإصرار من أبي مرداس استجاب له ووقف خطيبا فقال: "أيها الناس نفذ الزاد، وضعف الكراع، فارجعوا حَتَّى إذا سمنت

الدواب وجددنا الزاد، رجعنا (2).

1) واد شديد العمق بين الرجبان والزنتان.

الأزهار، 2/ 178