الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٠٨الإباضية في موكب التاريخ
206
الإباضية في ليبيا (1)
لم تكف هذه الحملة لتأديب أتباع خلف فما رجع حَتَّى عادوا إلى ما تعودوه من الاعتداء على الآمنين، وسلب أموالهم ونهب أرزاقهم، وجرد العامل الحازم حملة أخرى لتأديبهم ففروا أمامه، وأراد هذه المرة أن يستأصل الداء، وأن ينتهي من هذه المشكلة التي طالت، ولكن من أبا مرداس كان لا يزال عند رأيه الأول، كان لا يريد استعمال القوة، وكان يرجو أن يثوب أولئك العصاة إلى رشدهم ويتوبوا إلى ربهم، فنصح للعباس بالرجوع، ولكن العباس هذه المرة كان مصمما على المضي، فلم يمتثل لنصيحة الشيخ وَلَمْ يستجب لدعوته، فرجع أبو مرداس إلى نفسه وقال: ما أعظم جُنون مهاصر - يعني نفسه - حين يترك ربه ويلجأ إلى رجل مثله، يطلب إليه أمرًا، ثُمَّ اتجه إلى رَبِّه داعيًا أن ينزل عليهم غينا عميما، فاستجاب دعاء الشيخ ونزل الغيث مدرارا سالت به الأودية، وارتوت به الهضاب، فجاء الجند إلى القائد يستأذنونه في الرجوع؛ لأن الموسم موسم زراعة وهم جند يقاتلون دون أن تكون لهم مرتبات، وليس لهم مطمع في غنيمة؛ لأنهم يقاتلون الموحدين البغاة، واضطر القائد إلى تلبية رغباتهم، فقال له الشيخ ردهم" الآن إن استطعت! " وهكذا انتهت الحركة الثانية وفق رغبة أبي، مرداس، ولكن آمال أبي مرداس لم تتحقق، فلم يثب أولئك القوم إلى رشدهم، ولم يتوبوا
الله
إلى ربهم، وَلَمْ يحاسبوا أنفسهم، بل ما كف عنهم حر القتال، حتى عادوا لما لهوا عنه. لقد كان الشيخ يعتقد أن هذه المناورات التي يقوم بها الجيش القوي المظفر، كافية لإرهاب العدو، وإيناس الصديق فينكمش المعتدون، وأما المسالمون فإِنَّهُم سوف ينضمون إلى الإمامة؛ وبذلك يكون قد استطاع أن ينشر الأمن في جميع الربوع دون أن يريق الدماء. ويظهر أن رأي القائد كان أنسب لهؤلاء الذين طبعوا عَلَى العناد، وألفوا الغارات، وتعكير الأمن، وسلب أموال الناس، ولذلك فقد جهز للمرة الثالثة حملة قوية لتأديبهم، وصمم على أن يقضي على الأيدي العابثة. ولَمَّا كان ببعض الطريق تفقد الجيش فلم يجد أبا الحسن الأبدلاني وأبا، مرداس، فحبس الجيش ورجع يلتمسهما مخافة أن يكون وقع حدث دون أن يعرف، غضب منه الشيخان وهو حريص أن يكون عند رضائهما، بل إن الأمة كلها كانت حريصة على رضائهما.