الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٠٩الإباضية في موكب التاريخ
207
الإباضية في ليبيا (1)
أما الشيخان فقد تعبا من المسير، وضعفا عنه لكبر السن فرأيا أن يستريحا قليلا بالطريق. وقصدا "أغرميمان" بتغرمين عند العجوز هذه العجوز العالمة الصالحة التقية، التي قصرت نفسها في مجلس الذكر كما تدلُّ عليه كلمة "أغرميمان" التي تعنى: قصر النفس في مجلس الذكر. وأصلها "أغرم إيمان".
وفرحت العجوز أم الخطاب بزيارة الشيخين، فذبحت شاة لضيافتهما، وكانت تناقشهما في مسائل العلم ومعاني العبادة، وما لبثا حَتَّى وصل العباس يلهث من التعب ويتساءل في حيرة وارتباك عما أرجعهما عنه؛ فبادر أبو مرداس يطمئن القائد قائلا: "إنك عَلَى الْحَقِّ لَمْ ننكر عليك شيئًا، وأوضحا له أنهما تعبا وأصبحا لا يطيقان السير العنيف، ومصاولة الأقران، فاطمأن قلبه وقال لهما: دعا الحرب" لمن يطيقها". كانت العجوز تستمع إلى الحديث الذي يدور بين الأبطال الثلاثة، وكانت لم تعرف أنهما رجعا إليها من الجيش فلما علمت بذلك، وعرفت أن العباس ذاهب إلى قتال العدو، عمدت إلى اللحم وكان قد نضج واستوى فوضعته في خرج العباس، وقدمت إلى الشيخين المرق قائلة لهما وهي تشير إلى العباس وقد امتطى جواده وانطلق به هذا الذي يستحق اللحم أما أنتما فيكفيكما الجلبان (تعنى: العدس وما معه، فابتسم الشيخان في رضا، واستحسنا منها
هذا السلوك.
أما العباس فقد تعقب الجناة، واستمر ينشر الأمن، ويقيم العدل، ويحافظ على قواعد
الإسلام، حتى بلغ ككلة" فأمن الناس وعم الرخاء، وانقطعت أسباب الفتنة. لقد كان العباس مثل أبيه قوة وشجاعة وإيمانًا، لا يرهب بطلا ولا يخشى معركة، ولا تغره دنيا، ولا يدخله الشيطان من باب، يتواضع للمؤمنين حتّى تحسب به ضعفا به ويقسو على العصاة والمجرمين حتَّى تخال به عنفًا، ولا يتمسك برأيه في عناد وإصرار، ولكنه يستمع
النصيحة ويرجع إلى الشورى، ويعمل بما يقول به المخلصون.