الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢١٠

الإباضية في موكب التاريخ

208

الإباضية في ليبيا (1)

أبو ذر أبان بن وسيم

(1)

كلمة

نشأ كما ينشأ الفقراء من أبناء العوام كفاح متواصل في سبيل العيش، وعمل دائب في زراعة الأرض، حَتَّى شب عن سن الدراسة، واستعصى عوده عن حمل المحفظة، وأصبح رجلا من أولئك الرجال الذين لم يتح لهم أن يغترفوا من مناهل العلم العذبة، فنشأ جافًا، وإن كان ذا ذكاء متوقد ونفس حساسة، وعزيمة دونها الفولاذ مضاء .. مرض يوما فلزم حجرة مع أخيه عبد الله العالم الفقيه فكان الناس يزورونهما، ينصرفون بأحاديثهم ووجوههم وقلوبهم ومؤاساتهم إلى أبي عبد الله، ولا يلتفتون إلى أبان إلا إذا نهضوا للخروج؛ فتنطلق منهم المجاملة: "كيف حالك يا أبان؟ "، فيجيبهم ونفسه تكاد تنفجر: إن عاش أبان جعل للدنيا جزاءها إن شاء الله (2) .. وعاش أبان وسلم من هذه، المرضة وشفي من ذلك الداء، وخرج لا ليواصل كفاحه في غرس الأشجار، ورعي الأبقار، وجمع وسائل العيش؛ ولكنه خرج ليستقبل عملا جديدا، يخجل أكثر الناس أن يقوم به، ويضربون لذلك المثل فيقولون: "بعد ما شاب دخل الكتاب"، خرج ليزيد إلى كفاحه في سبيل حياة الجسم، كفاحا في سبيل حياة

الروح .. كفاحا أشد يقتضي صبرًا وسهرا، وقوة إرادة وصدق عزيمة، وبدأ يتعلم …

بعد

أن ينتهي من كفاحه المادي يذهب إلى علامة زمانه أبي خليل صال الدركلي للدراسة، وكان أبو خليل من أولئك الذين خلقوا بطبعهم للتعليم، وتبليغ رسالة الله، وتوجيه الناس إلى المثل العليا، فلم يكن يقتصر في تعليمه على وقت، أو يقف عند نظام، أو يراعي طبقة، إنه وهب نفسه كلها، ووقته كله للتعليم .. يلقي الدروس النظامية على الطبقات النظامية في مدرسته العامرة، في الأوقات المخصصة؛ ولكنه عندما يخرج من المدرسة إلى السوق، إلى المسجد إلى البيت في الليل أو في النهار كان لا يكف عن التدريس، ولا ينقطع عن

عده

ه أبو زكريا في الطبقة الخامسة؛ فهو من علماء النصف الأوَّل من القرن الثالث: كان عاملا للإمام أفلح بن

عبد الوهاب على حيز طرابلس.

(2) هذه القولة لا يزال يرددها أهل وارجلان إلى يومنا هذا، ولا يدري الأكثر نسبتها، ويكررونها بلفظ: «إذا عاش أبان فسوف ترون ما يفعله أبان، وإذا مات أبان فرحمة الله على أبان». (المراجع)