الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢١الإباضية
موكب التاريخ
19
نشأة المذهب الإباضي
إنني أود أن يعلم القارئ الكريم أن الباعث على إخراج هذا الكتاب، وقصر البحث فيه على فرقة واحدة من فرق الإسلام والتحدث عن رجال وأماكن معينة .. أود أن يعرف القارئ الكريم أن الباعث على ذلك لا يرجع عصبية مذهبية، تضييق بالتفكير المنطلق في دين الله من سائر الفرق، ولا إلى جمود في حب وطن ضيق لا يتسع لبلاد الإسلام، وَإِنَّمَا يرجع إلى أني درست أصول هذه الفرقة وعرفت من تاريخها أكثر مما درست من غيرها وعرفت منه.
ثُمَّ إن أقلاما لَمْ تستقص البحث، ولم تتعرف الحقيقة قد تناولت هذه الفرقة بشيء من الخطأ، في فهم أصول العقيدة، والخطأ في فهم البواعث على العمل، والخطأ في فهم الأسباب التي نتجت عنها أحداث تاريخية حُمّلت هذه الفرقة أوزارها، وبرّئ منها أولئك الذين تسببوا فيها. والذي يهمني في هذا الكتاب أن أوضح بعض اللبس الذي نتج عن آثار الأقلام الخاطئة؛ فإننا في
أشد الحاجة إلى أن نزيح عن تاريخ الأمة الإسلامية في مختلف فرقها وطوائفها ذلك الرمـ الذي رمتها به أقلام مغرضة أو مُخطئة، حتَّى إذا استقام تاريخ الأمة على حقيقته، وبرئت الفرق المختلفة مما قيل عنها بسوء نية أو بحسن نية لا يتلاءم مع أصولها وقواعدها ومصادر تاريخها وتشريعها، إذا استقام التاريخ على ذلك، سقط عن الأمة كثير مما مما دسته الأيدي العابثة، والآراء المخطئة، والأقلام المغرضة، سواء كان ذلك من كيد خارجي اندس في التراث الإسلامي فآزرته عقول سطحية لم تنتبه لما يحمله من عدوان، أو كيد داخلي دعت إليه ألسنة لم يهذبها النطق بالشهادة، فتقولت الأقاويل عن غرض دنيوي قريب أو متاع فيها قليل. فإذا استقام التاريخ الإسلامي المجيد، وعرض كُلّ أصحاب فرقة من فرق الإسلام عقائد تلك الفرقة، وأحداث تاريخها، ومدى ارتباطها بمصدرها الأول عرضا واضحا صريحا، وأزيلت عنها ما ألصقته بها الدعاية المغرضة أو الجاهلة أو المستغفلة، وجد جميع أصحاب الفرق في جميع مواطن الإسلام، إنَّهم متشابهون كُلّ التشابه فهم منطلقون لتحقيق الرسالة
الخالدة التي أنيطت بهم، في طريق واحد أو في طرق متشابهة، منتهية إلى غاية واحدة.