الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢١١

الإباضية في موكب التاريخ

209

الإباضية في ليبيا (1)

التعليم، ولا ينتظر أن يكثر الطالبون، أو أن تستدير به، الحلقة، ولذلك فقد كان نبعا ثرارًا عذبا، يستقي منه أبان في أي وقت أمكنته الفرصة وحضر إليه.

و واظب أبان على هذه الدراسة، وتفتح قلبه وعقله للعلم والفهم، يساعده على ذلك عزيمة صادقة وصبر على المتاعب والمصائب، راض نفسه عليها يوم كان يكافح من أجل الحياة، وإيمان بأن حياة الانسان بدون علم لا تستحق أن تحيا أو تحسب من العمر، وبلغ في درجات العلم فوق ما أمل وأجازه أستاذه أبو خليل الدركلي إجازة لم يتحصل عليها أحد من الأذكياء النجباء، وما كانت تجاز إلا للقليل من الأعلام الذين يدركون أسرار الشريعة،

طلابه

ويفهمون مقاصدها العميقة، ويفرقون بين الحالات المتشابهة المظاهر ويعرفون بواعثها، ويتعمقون في دراسة نفسيات الناس ومدى ارتباط أعمالهم بإيمانهم، فقال له: " يا أبان، افت للناس بالرخص؛ لكُلِّ زمان نذير، وأنت نذير زمانك".

إن الفتوى بالرخصة لا تصح لأي أحد، ولا لكُلِّ حالة، ولا تكون قاعدة عامة تبنى عليها الأحوال المتشابهة، ولا يفتي بها كُلّ متعلم، إنَّهَا كالدواء الضروري الذي لا يعطى إلا في حالات خاصة؛ تراعى فيها جوانب معينة، لا يمكن أن يدركها إلا قلة من العلماء، الذين أوتوا فهما لأسرار الشريعة وحكمة الفريضة، ومعرفة نفسيات الناس؛ وكان من هؤلاء الصنف هذا العلامة الذي درس بعقله، واعتمد على فكره، وبلغ أعلى مراتب علم الشريعة، بفهمه لا يحفظه؛ فأصبح أعظم مرجع للإسلام، وقدوة للعلماء الأعلام، ولا يكاد يخلو كتاب من كتب الإباضية عن آرائه وفتاواه وتحقيقاته، وكثيراً ما تكون تلك الآراء هي خاتمة النقاش،

ومحز الخلاف.

لقد كان نافذ البصيرة، حاد الذكاء، عميق الفهم قوي الحجة، واسع الاطلاع، ولكم وجهت إليه الأسئلة في معضلات المشاكل، فوجدت عنده الجواب السهل القريب، وكان بعض المتعلمين يؤلفون أسئلة فيما يظنونه مستحيلا أو قريبا من المستحيل، ويوجهونها إلى ذلك العلامة، فيجيبهم دون روية أو تفكير …