الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢١٢الإباضية في موكب التاريخ
210
الإباضية في ليبيا (1)
قيل له يوما: كيف المخرج لرجل حلف لامرأته بالطلاق أن لا يزوج ابنتهما لمن يحبان؛ ولا لمن يبغضان؟ وظن السائل أنه وضع بين يدي الشيخ سؤالا معقدًا يحتاج إلى تفكير على أقل تقدير، ولكن الشيخ خيب ظن السائل وأجابه على الفور يزوجها لمن لا يعرفان، واقتنع السائل وسكت.
وقد كان الطلبة كثيرًا ما يضعون أمثال هذه الأسئلة التي يعتقدون استحالتها أو صعوبتها، ويأملون من وراء ذلك أن يقف هذا البحرُ حائرًا مرتبكا؛ وَلَكنَّهُ كان في كل مرة يخيب ظنهم، ويجد الجواب الشافي دون حيرة أو ارتباك.
لهجت الألسن بعلمه وفضله، وتقاه وقوة إرادته واتباعه للحق، وفهمه للأسرار، وشدة ذكائه، وكان الإمام في "تاهرت" يبحث عن مثل هذا الرجل ليوليه أمور المسلمين .. إن العلماء والصلحاء والتقاة كثيرون في ذلك الحين، ولكن العلم والصلاح وحدهما لا يكفيان للاختيار .. إن الذكاء وقوة الإرادة والصلابة في دين الله أمور ضرورية لمن يتولى شأن
المسلمين. كان الإمام يبحث عن هذه العقول النيرة، والقلوب البصيرة، ليحملها أمانة الأمة، ويضع بين
يديها تلك المهمة العظمى؛ فبعث إليه بعد وفاة العباس بالولاية على جبل نفوسة" وما والاه. إن تولي أمر المسلمين عند أولئك الناس لا يعني جاها ولا منصبا ولا ثروة، ولكن يعني تحمل أعباء ثقال، يحاسب عليها الرجل من ضميره، ومن الإمام، ومن الأمة، ومن الله؛ وَلَمَّا جاء أمر الإمام إلى العالم الكبير بالولاية لم يرده؛ ولَكنَّهُ قبله في حزن وأسف، ثُمَّ أَتَّجه إلى الخالق الذي بيده الموت والحياة، وتضرع إليه في حرارة أن لا يطيل عليه مدة هذه الولاية، وأن يجعلها لا تتجاوز سبعة أيام، فإن تجاوزتها فلا تتجاوز سبعة أشهر .. واستجاب الله لدعوة عبده، فلم تتجاوز مدة ولايته سبعة أشهر إن الله رِجَالاً لَو أَقسَمُوا عَلَيْهِ لأَبَرَّهُم) (1) (2).
(1) إشارة إلى الحديث الذي أخرجه الديلمي في الفردوس، عن أبي موسى الأشعري، ر 8578، بلفظ: «يكون في أمتي رجال طلس رؤوسهم دنس ثيابهم لو أقسموا على الله لأبرهم». (المراجع)
(2) انظر: السير، ص 241.