الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢١٣

الإباضية في موكب التاريخ

211

الإباضية في ليبيا (1) ا

أبو منصور إلياس

(1)

مؤمن عميق الإيمان وبطل لا يهاب أعباء البطولة، نشأ في "تَنْدميرة" في هذه القرية الـ كانت وَلَمْ تزل مقرًا للعلم والدين، ومنبعا للذكاء والخلق المتين، لم تتح له فرصة الدراسة في صغره، وكان في خلقه خشونة وعَرَامَة (3)، وفي بُنيته أسر وقوة، وفي طبعه حدة وشدة .. لم يهذبه من ذلك في زمن الصغر إرشاد المدرس، وَلَمْ تنل منه عصا المؤدب؛ فشب صلبا قويا، ولَكنَّه في هذه الصلابة والعزة كان يُجل العلم والعلماء.

كان ذات يوم في "تيجي" في هذه القرية الجميلة الوسنانة التي تستلقي في استرخاء عند أقدام الجبل الشامخ .. تمتص الزلال العذب من منابعه الصافية، وكان ينحدر الماء إليها من القمم الشماء التي تناطح السحاب في كبرياء .. وكانت "تيجي" في ذلك الحين مدينة: ينة آهلة بالعلم والعلماء، وكان سعد بن أبي يونس الذي أسندت إليه ولايتها بعد أبيه، يتولى شؤونها. ويرعى أمورها، ويقيم فيها كتاب الله، ويشرف على المدرسة العامرة، التي أسسها أبوه فيها، والتي خرجت فيمن خرجت أبا معيد الجناوني العالم، الزاهد، الذي يقوم مقام أمة. قلت: إن أبا منصور كان في "تيجي" من الشؤون، فلقي أبا مرداس مهاصر، وكان أبو مرداس حافي القدمين منهك القوى قد أدمى الشجر والحجر قدميه، وكان في سنة قحط وشدة، فرق له أبو منصور، ونزع نعليه فأعطاهما للشيخ، فتقبل الشيخ هذه الهدية، ثُمَّ اتحه بقلبه إلى ربه وقال يخاطب أبا منصور - وكان أبو منصور فتى قويا من أهل الْجُملة -: "نزع

" لشأن

1) ذكره أبو زكريا في الطبقة السادسة؛ فهو من علماء النصف الثاني من القرن الثالث كان عاملا للإمام أبي اليقظان، ثُمَّ الإمام أبي حاتم على حيز طرابلس. قال فيه أبو العباس في السير (ص) 224): "وكان بعد أن تولى أمور المسلمين إذا خرج لقتال العدو يركب بغلة ولا يتقي نبلا، ولا ضربة على نفسه ولا على مركوبه، ولا تقع به، ولَمْ يهزم له جيش، ولم تنكس له راية". اهـ.

(2) عرم وعرامة وعارم هي الشدة والحدة. (المراجع)