الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢١٤الإباضية في موكب التاريخ
212
الإباضية في ليبيا (1)
الله منك يا فتى ما لا يرضى ورد فيك ما يرضى قال أبو منصور يتحدث عن نفسه "فأحسست حين دعا بما غشينى" فوقع في نفسه التعلق بالمراتب العالية من العلم والعمل (1). وهكذا تغير وجه التاريخ بالنسبة إليه، واتجه اتجاها جديدا، حتّى بلغ غاية يقصر عنها كثير من العاملين، واشتهر علمه وخلقه ودينه بين الناس حتى بلغ ذلك الإمام أبا اليقظان في تاهرت، فعينه واليا على ليبيا، وسار في عمله السيرة التي يعرفها المسلمون .. قوة في الحق لا تبلغ الطغيان، وعدل بين الناس يجري عَلَى ما أمر به كتاب الله وهدي محمد الله، وخلق كأخلاق الصحابة، يدفعها الإيمان للعمل، ويقف بها الإيمان عن الانحراف عن سبيل الله، يبلغ في شدته على العصاة والمجرمين، والمنحرفين ما يملأ قلوبهم خشية للحق، ويقف لكلمة حق يسمعها من أي شخص عادي، لا تغلبه نفسه عن الرجوع إلى الحق في أي موقف أو أي مكان .. إنَّه كان صورة ثابتة للفاروق له، ولو لم يتح له ما أتيح للفاروق من إقامة دين الله، والمحافظة عليه …
6.
من
العلماء
جاءته رسالة من أحد عماله يطلب فيها إقامة الْحَدّ على حاملها، وكان جماعة حاضرين، فيهم القاضي عمروس؛ وقرأ الوالي الحريص على إقامة حدود الله الرسالة وفهمها، وبدأ في إقامة الحد.
وفي هذه الأثناء وصل العالم الزاهد أبو الليث (2)، فأفسح له المشايخ في المجلس، وطلبوا منه أن يشرف مجلسهم، ولكنَّهُ أجابهم - وهو يشير إلى الوالي - حتّى أنظر ما يقع هناك، ووصل إلى الوالي وهو يباشر إقامة الحد، فسأله عن عمله هذا؟ فأخبره الوالي أنه يقيم الحد برسالة وردت إليه من أحد عماله فقال له: "أمن أجل سواد في قرطاس تضرب الناس يا إلياس؟ " .. وقرعت كلمة الْحَقِّ سَمع الوالي العظيم، وتمكنت من قلبه، فأوقف يده الضاربة؛ ووقف موقف التلميذ المذنب أمام المدرس الحازم، وسأله عن رأيه في القضية، فقال الشيخ العالم: "تضع الرجل في الحبس، وتبعث بالأمين" .. فإذا ثبت عليه الحكم أنفذت فيه الحد، وإلا وجب أن تقاصصه من نفسك ..
(1) راجع السير، ص 224.
(2) راجع القصة في ترجمة أبي الليث، السير، ص 242.