الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢١٥

الإباضية في موكب التاريخ

213

الإباضية في ليبيا (1)

وَالْحَقُّ

هم

وأطاع الوالي، وبعث بالأمين فثبت عنده أن الرجل مظلوم، وأن الجاني المطلوب، لَمْ يحضر، وَإِنَّمَا سلم الرسالة إلى هذا الغافل، ونزل الوالي على حكم الشيخ، وقاصص الرجل من نفسه. هذا مثل يوضع بين يديك أيها القارئ الكريم، يوضح لك قيمة العلم عندما يقوده الإيمان والحق والدين الصحيح .. إن العلماء حجة الله في الأرض، يستوي عندهم الحاكم والمحكوم لا يقع بين أيديهم شأن من شؤون الدولة والأمة حتّى يفهموه حق الفهم، يصدرون فيه حكم الله، وما دام هؤلاء العلماء في الأمة، فإن الأمة بخير؛ فإذا انقلب العلماء إلى أتباع للحاكم، يبررون أعماله، ويساندونها بالفتوى ويوجبون طاعته على الناس، ويطالبون الشعب بالصبر، ويتلقون ما يقذفه عليهم هذا الحاكم من أرزاق وعطايا. إذا انقلب العلماء إلى مهازيل يسيرون وراء القافلة يَحْدُون ويصفقون، فإن الأمة سوف تنحدر إلى هوة سحيقة العمق، لا يعلم إلا الله قرارها. لم يكن أبو منصور جبارا ولا طاغية، ولكنَّه أخطأ بعدم التثبت؛ وكان بمجلسه جمع من العلماء جاز عليهم هذا الخطأ كما جاز عَلَى أبي منصور؛ فَلَمَّا عرف الحق رجع إليه، وأقاد من نفسه .. وهو موقف رائع، يدعو إلى الإعجاب والتقدير.

إنَّه موقف الحاكم المسلم، الذي لا يعتز بالإثم بالسلطان، ولا يعتصم بالقوة، ولا يتردد في

قبول الْحَقِّ، مهما كان هذا الحق، وكيفما كان هذا الحق، وعلى من كان، ولمن كان … عرف الناس ما عليه أبو منصور من الصلابة في دين الله، فلزموا الجادة. ولكن ابنا لخلف بن السمح خطر له أن يجدد أمر أبيه، وأن يدعو لنفسه، وأن يعكر الأمن الذي ساد، والسلام الذي انتشر؛ فطارده أبو منصور حتَّى ألقى عليه القبض في جربه، وحبسه أياما ثاب

بن

من بعدها وصلح حاله وأصبح يسمي بعد ذلك الطيب بن الخبيث بن الطيب". حصل بين العباس بن أحمد طولون وبين أبيه نفور وسوء تفاهم، فانتهز العباس غياب أبيه عن مركز الدولة في القاهرة، وأخذ ما في خرائن الدولة (1) من الذهب، ويقدرها بعض المؤرخين بحمل ثمانمائة حمل من الدنانير الذهبية، وجهز جيشا واتجه إلى المغرب.

(1) نقل الشيخ عن ابن الرقيق، أن الذهب الذي نقله ابن طولون مائة حمل ذهبا. السير: ص 225.