الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢١٦الإباضية في موكب التاريخ
214
الإباضية في ليبيا (1)
كان ينوي أن يحتل هذه البلاد الواسعة الغنية، التي تقع ما بين الإسكندرية والمحيط الأطلسي، ويكون فيها دولة مستقلة مركزها القيروان - عاصمة الأغالبة في ذلك الحين - وسار بجيشه الذي زحف على برقة زحف الجراد. فلما وصل إلى طرابلس حاربه عامل الأغالبة فيها "ابن قهرب" وَلَكِنَّه انهزم وتحصن في المدينة، ولَمَّا وصل إلى "لبده" خرج إليه عاملها وأهلها وأكرموه، ولكنه لم يرع حق هذا الإكرام، فأمر بنهبها فنهبت على حين غرة، وقتل رجالها وانتهكت حرماتها، قال الزاوي: "وقد امتدت يد جند ابن طولون إلى البوادي الذين يسكنون خارج المدينة، وكانوا من البربر الإباضية، ومن أتباع إلياس بن أبي منصور النفوسي صاحب جبل نفوسة، ونالوا من حرماتهم وأموالهم فاستغاثوا به من جيش بن طولون (1). وقد كتب إليه ابن طولون حينما كان يحاصر طرابلس: "أن أقبل بسمعك وطاعتك، وإلا وطئت بلدك بخيلي ورجلي، وأبحت حرماتك"، فرد عليه إلياس: " أما إنك أقرب الكفار مني، وأحقهم مجاهدتي، فقد بلغني من قبيح أفعالك ما لا يسعنى التخلف معه عن جهادك، وأنا على أثر رسالتي إليك"، وجهز جيشا من اثنى عشر ألف مقاتل، والتقى بابن طولون في قصر حاتم سنة 267 هـ، فانهزم ابن طولون وتشتت شمله واستبيحت أمواله وأخذ أهل طرابلس كل ما معه من مؤن وعتاد وَلَمْ يأخذ البربر شيئا من الغنائم؛ لأنهم يرون حرمة أموال الباغين من الموحدين، ولا يستبيحون دماءهم ما داموا مُحاربين لهم، ولا يستبيحونها في حال السلم (2). ووصل ابن الأغلب إلى طرابلس بعد أن تمت المعركة وانهزم ابن طولون، ورجع أبو منصور إلى مركز حكمه.
وصل ابن الأغلب كما تصل الغربان، يبحث عن الدنانير التي عف عنها أبو منصور، ويلتقطها من الناس، حتَّى أن الجندي كان يبيع دنانير ابن طولون سرًا بأي ثمن، خوفا من وجودها عنده.
(1) نقلت كُلّ ما يتعلق بموقعة أبي منصور مع ابن طولون من الفتح العربي للزاوى. 2 انظر الفتح العربي (الطبعة الأولى، ص 153.