الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢١٧

الإباضية في موكب التاريخ

في هذه الحادثة التاريخية يلتقي ثلاثة قواد

215

من

الإباضية في ليبيا (1)

قادة الأمة الإسلامية:

هم

العباس بن

أحمد

بن

طولون، وإبراهيم بن أحمد بن الأغلب، وأبو منصور إلياس …

وفي إمكانك أيها القارئ الكريم أن تقارن بين هؤلاء الرجال، وأن تعرف أيهم كان يتبع

في جميع تصرفاته هدى الإسلام، وأيهم كان يتبع هواه، ويسير في سبيل الشيطان؟ أيهم كان يمثل الإسلام حق تمثيل؟ وأيهم كان لا يبالى بدين؟ ولا يقف عند حدود الله؟ … هذا فتى يجد غرة من أبيه السلطان فيسرق خزائن الدولة؛ لأنه يتعجل الوصول إلى الحكم، ثُمَّ يكون جيشا ويتجه إلى المغرب .. يقتل الأنفس البريئة، وينتهك الحرمات المصانة، ويجازي من أحسن إليه شر الجزاء، ويهدد مسالما لم يتعرض له فيقول: " أقدم بسمعك وطاعتك، وإلا وطئت بلدك بخيلي ورجلي، وأبحت حرمك".

ما مقدار إيمان هذا الرجل الذي يسرق خزانة الدولة، ثُمَّ يتوغل في بلاد المسلمين، يقتل ويسلب ويغنم، وينتهك الحرم، ولا يقف عند هذا الحد العملي، بل يتجاوزه إلى أن يسند لنفسه التشريع، فيقول لمؤمن عصم الإسلام ماله ودمه وحرمه وأبحت حرمك" إن الذي بيده الإباحة والتحريم إِنَّما هو خالق الخلق، وليس لغيره أن يترل دينا على حسب هواه يحلل ويحرم. إن الرجل الذي يستحل ما حرم الله، ثُمَّ ينسب ذلك إلى نفسه في غرور ووقاحة وتبجح لا يخشى أمر الله، ولا يستحي من مخالفة دينه وأمره، ليبعد عن الإسلام!

وضع إلى جانب هذا الموقف الظالم الخارج عن حدود الله موقف خصمه، هذا الخصـ الذي اعتدى عليه في مقره، وهدد بإباحة حرمه وبأن تطأ الخيل بلاده؛ وطولب أن يقدم السمع والطاعة لفتى، مغرور أقل ما يوصف به عقوق الوالدين.

لقد ثار! … وأي حر لا يثور؟ ولاقى الطاغي الجبار في قصر حاتم .. وكانت المعركة .. وشاءت إرادة الله أن الحق والشهامة والمروءة وأن ينهزم الطغيان المتكبر الجحود! فماذا كان من

ينتصر

المنتصر؟ ما هو موقف أبي منصور إلياس؟ هل ذبح الأسرى؟ هل قطع الرؤوس؟ هل انتهك الحرمات؟ حرمات المحاريين، أو حرمات المسالمين؟؟ هل أطلق أيدي الجند للغنيمة؟ هل جمع الأموال ليستأجر بها المرتزقة؟ أو ليبني بها القصور؟ أو ليكدسها في بيت المال؟ هل جمع الذهب الذي يتناثر

في المعركة كما يتناثر الحصا؟ إن وقر ثمانمائة حمل تنتشر هناك؟! وَلَكنَّه لم يفعل شيئًا من ذلك! ..