الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢١٨

الإباضية في موكب التاريخ

216

الإباضية في ليبيا (1)

وعند ما ولى العدو منهزما، وركب ابن طولون فرسه هاربًا، أوقف أبو منصور رحا القتال، ثُمَّ أمر جيشه بالرجوع، هذا الجيش الذي يقاتل في سبيل الله لا يأخذ من الدولة مرتبا، ولا من ساحات القتال غنيمة .. ورجع أبو منصور بجيشه المظفر بريئًا من الانتقام، بريئًا من الظلم، بريئًا من العدوان، نظيفًا من الدماء المسالمة، نظيفاً من الحرمات، نظيفا من جميع الأموال! .. أموال المسالمين، وأموال المعتدين، إنَّه لم يأخذ من هذا الذهب المتناثر في ميدان … (المعركة قطعة واحدة يحتفظ بها للذكرى، أو يجعلها في دور الآثار.

(1)

وجاء الطامعون بعد ما خلا الميدان من المنهزمين والمنتصرين يتخاطفون ما عف عنه أولئك الأبطال المؤمنون، الذين يعرفون أين يقفون من حدود الله .. ووصل القائد الثالث، الذي كانت الحملة الطولونية موجهة إليه .. وصل بعد أن انتهى كل شيء، فماذا فعل ابن الأغلب؟ .. إنَّه رجع إلى أشلاء المعركة، يجمع بقية الأسلاب، ويطارد الناس الذين غنموا من غير جهد، فينتزع منهم ما أخذوه ويفتش الأفراد والجماعات، ليتحصل على هذا الذهب، الذي فرطت فيه خزائن القاهرة، حتّى كان الرجل يبيع ما معه من دنانير ابن طولون بأي ثمن ليتخلص منها، مخافة أن يجدها عنده أعوان الطاغية الثاني.

وسار التاريخ لا يلتفت وفني الذهب الذي سرقه ابن طولون من خزائن أبيه ليبني به عرشا، فنثره أبو منصور النفوسي في ميدان المعركة، وفني ابن الأغلب رغم هذه الدنانير التي كان يفتش عنها بدقة، ويجمعها بحرص، وفني أ أبو منصور أيضا كما يفنى جميع الناس. ولكن هذ المثل الرائع، الذي ضربه للحكام، وهذه السيرة العطرة التي سار بها بين العدو والصديق، وهذا الخلق الكريم أخلاق النبوءة، وهذا الدين القويم، الذي يعصمه من الخطأ والزلل، هذه الصفات

الذي اقتبسه من

وما إليها بقيت خالدة مع الإنسان، توحي بالعبرة والذكرى لِكُلِّ من يتولى أمر أمة.

إن الشهامة التي يتصف بها أبو منصور، والعبرة التي تركها للأجيال، والقدوة الحسنة التي خلقها لقواد الجيوش؛ أغلى من ملء الدنيا ذهبًا، وما عند الله خير وأبقي! …

ه EKO K

(1) أجمع المورخون أن أبا منصور وجيشه لم يأخذوا شيئا من هذه الأموال.