الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٢٠الإباضية في موكب التاريخ
218
الإباضية في ليبيا (1)
القارئ
كتب الأستاذ الزاوي عن أبي منصور في كتابه أعلام" ليبيا" ولعله مما يهم الكريم أن أنقل إليه هذه المقتطفات من هذا الكتاب القيم، قال الأستاذ الزاوي: "ومن أظرف ما وقع، أن الإباضيَّة لَم يأخذوا من هذه الغنائم شيا؛ لأنهم يرون حرمة أموال الباغين من الموحدين، ويستبيحون دماءهم ما داموا محاربين لهم، ولا يستبيحونها في حال السلم مع أن إلياس كتب إلى ابن طولون رسالة قال فيها: أما أنك أقرب الكفار منى … الخ، وكثيرًا ما يريد الإباضية بالكفر، كفر النعمة". قرأت هذا الكلام، وأنا أعجب لهذا المسلم الذي لم يجد ما يعلق به على هذه الحادثة التاريخية الهامة إلا قوله: ومن أظرف ما وقع … إلخ .. ماذا يقول الزاوي عن
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عندما انتصر في وقعة الجمل ولم يغنم الأموال؟ ..
أيرى أن ذلك شيئًا ظريفا؟ وهل عادت أحكام الإسلام من التفاهة في نظر المؤرخين بحيث يحكم عليها بالأحكام التي نطلقها على بيت من الشعر أو قطعة من
الأدب؟!.
ما وقع الظرافة في هذه القصة يا ترى؟ لئن وقف المؤمن الورع حيث يقف به الإسلام لا يظلم ولا يبغي؟ إن هذا ليس فيه، ظرافة، إنه حق، وعدل، ودين … وقف عنده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ووقف عنده أبو منصور إلياس، هذا الرجل الذي لم تنتكس له راية، وَلَمْ ينهزم في موقعة وَلَمْ يلوث يديه بدم برى، وَلَمْ يَملأ جيبه بمال حرام، وأمثال هؤلاء الأبطال يجب أن يكونوا قدوة لولاة أمور المسلمين. ويقول الزاوي: "الإباضية يرون حرمة أموال الباغين من الموحدين"، فهل يرى حضرة الأستاذ الكبير غير هذا الرأي؟ أليس هذا هو حكم الإسلام؟ ألم تعصم كلمة الشهادة دماء المسلمين وأموالهم إلا بحقها؟ أم يرى أن الإباضية أخطأوا سبيل الإسلام، حيث لم يرتكبوا من الفواحش ما يرتكبه أولئك الذين اتخذوا الحروب ذريعة للغنيمة، ووسيلة لكسب المال.