الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٢١

الإباضية في موكب التاريخ

219

الإباضية في ليبيا (1)

وَلَمْ يَجد الأستاذ الزاوي شيئًا يلمز به هذا البطل العظيم في جميع أعماله وسيرته، فأورد الكلمة التالية، أن إلياس كتب إلى ابن طولون رسالة قال فيها: "أما أنك مع أقرب الكفار منى … إلخ. وكثيرًا ما يريد الإباضية بالكفر كفر النعمة. وما دام الأستاذ الكبير يعرف أن كلمة الكفر قصد بها كفر النعمة في استعمال أبي منصور، فما وجه إيرادها؟ أم أن الأستاذ الزاوي يرى أن ابن طولون وهو يسرق خزانة الدولة، ويقتل الأبرياء، ويغتصب الأموال، وينتهك الحرمات، إنما يقوم بأعمال البر والإحسان ..

ثُمَّ لماذا لم يذكر أن هذه الرسالة كانت جوابا لرسالة من ابن طولون يقول فيها لأبي منصور: "أقبل بسمعك وطاعتك، وإلا وطئست بلادك بخيلي ورجلي، وأبحت حرمك"؟ وأيهما أكبر في نظر الأستاذ الزاوي: إطلاق كلمة الكفر على رجل يرتكب من الفواحش ما يندى له جبين الإنسانية، أو ينسب تشريعاً يُخالف تشريع الله، فيحلل ويحرم حسب الهوى؟ أم هذا الموقف المتجرد من الدين والخلق، المحاد لأحكام الله، الزائغ عن طريق المؤمنين؟ ..

إن الحقَّ أحق أن يتبع، وهو لا يخفى على الأستاذ الزاوي، ولكن شيئًا في صدره يحيد به عن منهج الصواب، ويجعله يسلك طرقا، ملتوية، وهو يتصدى لكتابة التاريخ .. وليت الأستاذ الزاوي ضرب مثلا أعلى في التراهة للشباب المسلم الذي نرجو أن يرتفع عن دنايا النفوس المريضة، ويرجع إلى الْحَقِّ الذي جاء به الإسلام ويستمسك بهدى العدول من أبناء أمة مُحمد، لا تؤثر عليه طائفية، ولا تميل بـ عنصرية، ولا يقدس إلا ما قدمته شريعة الله …