الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٢٢الإباضية في موكب التاريخ
220
الإباضية في ليبيا (1)
أفلح بن العباس)
بطل آخر من أبطال الكفاح الكفاح بأوسع معانية كفاح النفس والهوى .. وكفاح الظلم والباطل .. وكفاح الباطل من أي طريق جاء .. وثقت فيه الأمة، ووثق فيه الإمام فأسند إليه الإمامة عَلَى ليبيا .. وسار على النهج الذي سار عليه أسلافه أبان، وأبو عبيدة، والسمح، وآباؤه العباس وأيوب.
تواضع للمؤمنين يكاد يكون ذلة .. وقوة على العصاة والمجرمين تصل إلى درجة الحدة، وحمل للناس على السير في السبيل الواضحة، وقيام بأمور المسلمين ومهامهم دون تفريط في قليل أو كثير، وحب يشمل جميع المسلمين .. وشورى تقف حيث يريدها خيار الأمة، وتتجه أنى يطلبون فلا يقطع أمرًا دون رأيهم، ولا يصر على عمل وهم له كارهون، ولا يقف عن أمرهم فيه راغبون؛ وَلَعَلّ موقفه هذا يتجلى في الموقعة التاريخية المشهورة التي حطمت فيها سيوف نفوسه "وقعة مانو" جهز إبراهيم بن أحمد بن الأغلب جيشًا عظيما من تونس يريد به غزو مصر، ولَمَّا وصل إلى "رقادة" أقام بها مدة يستكمل عدته، ثُمَّ أَتَّجه إلى مصر يريد حرب ابن طولون .. وطريق هذا الجيش يَمُرّ بليبيا، وليبيا إباضية الْمَذهَب، تابعة للدولة الرستمية، ما عدا طرابلس العاصمة والبحر، حسب المعاهدة التي وقعت بين عبد الوهاب الرستمي وعبد الله بن الأغلب .. وكان الوالي على ليبيا حينئذ هذا البطل الذي نتحدث عنه .. إنَّه أفلح بن العباس بن أيوب، وكانت شواطئ البحر والسهول الممتدة بين طرابلس والجبل مملوءة بالسكان، عامرة بالقرى والدساكر (2)، وكان هؤلاء كلهم من الإباضية الذين يرجعون إلى أفلح .. وَلَمَّا سَمعت نفوسة في الجبل بعزم ابن الأغلب عَلَى مُحاربة ابن طولون في أراضيهم، وأرادوا منعه من المرور، ووقع خلاف بين أهل الرأي والمشورة؛ فكانت الأكثرية تريد الوقوف في وجه هذا الغازي الظلوم، وكان بعض أهل الرأي يفضل عدم التعرض له ما لم
1) من الطبقة السادسة من علماء النصف الثاني في القرن الثالث كان عاملا للإمام أبي اليقظان، ثم ولى أبي منصور ثُمَّ أقبل في وقعة مانو ثُمَّ ولى بعدها. (2) دساکر مفرده دسكرة: وهو بناء يشبه القصر حوله بيوت وتكون للملوك. انظر: العين، (دسكر). (المراجع)