الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٢٣

الإباضية في موكب التاريخ

221

الإباضية في ليبيا (1)

يکن قصده محاربة الإباضيَّة في ليبيا، وكان على رأس أصحاب هذا الرأي الوالي أفلح بن العباس، وعامل قنطرارة سعد بن أبي يونس؛ ولكن أهل الشورى والغالبية الكبرى من الأمة كانت ترى وجوب رده عن المرور في أراضيهم، وعدم السماح له بالاجتياز، وخضع الوالي الشجاع لرأي الأغلبية، واستجاب لمطلبهم وجهز الجيش وقاده، حتّى التقى بعسكر ابن الأغلب في قصر "مانو" على ساحل البحر، قرب قابس. والتحم الجيشان، ووقعت معركة ندر أن يقع مثلها في التاريخ، وكثر القتل في جيش أفلح، وخاف أن يضعف إخوانه، فأمر حامل الرأية أن يركزها في الأرض حتّى تثبت، ولا تحدث أحدا من أصحابه نفسه بالتخلي عنها، وحاول حامل الراية أن يمتنع عن هذا العمل الخطير الذي كان حريا أن يقضي عَلَى الْجَمِيع، ولكن الوالي البطل أصرَّ عَلَى أمره، وركزت الراية في الأرض، واستمرت الحرب، وكانت الرؤوس تتساقط من حولها حتّى كاد يفني الجيش ولا يبقي منه أحد، وحينئذ تشجع أحد العقلاء الذين أيقنوا بالهزيمة، وعلموا أن الدفاع عن هذه الراية المثبتة يعني انتحارا جماعيا، فضرب الراية، وأسقطها وتفرقت البقية القليلة التي سلمت وهم عدد قليل .. وكان الوالي فيمن نجا فرجع إلى مركز حكمه في الجبل، ورغم أن الوالي كان معارضاً لفكرة هذه الحرب، وأنه ما قادها إلا مكرها، رغم ذلك وجد بقية المشايخ قد استاؤوا منه، وتشاءموا من ولايته، وحملوه مسئولية الهزيمة، واتفقوا عَلَى عزله، وولوا عليهم ابن عم له .. وآلمه هذا الموقف من إخوانه، وحز في نفسه، وفكر في أن يستمسك بالولاية، فاستشار العلامة أبا معروف حاكم شروس، فأقنعه أبو معروف بضرورة الموافقة، والخضوع لرغبة المشايخ ما دامت هذه الولاية ليست أمراً دنيويا يطلـ منها العلو في الأرض، وجمع الثروة والمال؛ فرضى بحكمهم، ووافق على رأيهم .. ولكن ما لبث المشايخ إلا قليلا حتَّى أدركوا خطأهم، وعجز الوالي الجديد عن القيام بمهامهم فعزلوه، ورجعوا إلى أفلح يطلبون منه أن يتولى أمرهم من جديد .. وفكر هذا البطل المؤمن أن يمتنع عن قبول هذا العرض، ويرفض الولاية التي نزعت عنه أمس دون سبب؛ وَلَكنَّهُ نظر إلى مصلحة الأُمَّة، واستعرض حالة البلاد، فوجد أن المؤمنين الأقوياء في دينهم، وعلمهم، وخلقهم، قد أكلتهم الحرب في وقعة "مانو" وَلَمْ يبق إلا شيوخ يقعد بهم ضعف الشيخوخة عن تحمل هذه الأعباء الثقال، أو رجال ليس لهم من العلم والكفاءة ما يؤهلهم لشغل هذا