الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٢٥

الإباضية في موكب التاريخ

223

الإباضية في ليبيا (1)

تاورغة، وهناك قتل خمسة عشر رجلا وأمر بقطع رؤوسهم، وأظهر أنه يريد أكلها هو ومن معه" … "فكان يكثر القتل في أقاربه وأبنائه وإخوانه وخدمه وأنصاره؛ فقد قتل ابنه بين يديه صبرًا، وقتل ثَمانية إخوة له ضربت أعناقهم بين يديه وأخفت عنه أمه بنات له، حتى رأت منه ذات يوم انشراحا فأرادت أن تزيده مسرة فأخبرته عنهن، وقدمتهنَّ إليه، وما خرجت بهن حتى أمر بقتلهن جَمِيعًا، وكن ست عشرة بنتا كالأقمار". هذه سيرة الرجل، وهذا دينه وخلقه وعمله وعندما يكون أمثال هذا الوحش على رأس جيش من المرتزقة يخضعون له كل الخضوع، ولا هم لهم من الحرب إلا الغنيمة والمتعة، ثُمَّ يمر هذا القطيع من الوحش المتعطش على بلد من البلدان، فإن الآثار التي يتركها لن تكون إلا الخراب والدمار، وكان الإباضيَّة في ليبيا وفي نفوسة على الأخص يعرفون هذا الرجل، ويعرفون سيرته وسيرة جيشه الذي لم يهذبه الإسلام، وَلَمْ يحترم في يوم من الأيام الحرم التي صانها الدين، وحفظها الخلق وقدستها الإنسانية .. كانوا يخشون من هذا الجيش المرتزق الذي يقوده رجل مجنون أن يبسط يده بالأذى والخراب في كُلِّ مكان يمر به، ولذلك أرادوا منعه والوقوف في وجهه .. إنَّه موجة عارمة من الحيوانية التي لا يتحكم فيها خلق ولا دين ولا ضمير ولا حياء! .. فلم لا يُحاول كُلّ عاقل أن يبعد هذا الخطر عن وطنه وأمته؟ .. حاول الإباضية أن يقفوا في وجه هذا الفساد، ولكن الله أراد غير ذلك فقتل من قتل من أبطال الإباضيَّة، وانتصر ابن الأغلب، انتصر هذا الوحش الذي وجد ناسا يأتمرون بأمره، ويخضعون لسلطانه، ومر على البلاد كما يَمُرّ الوباء، لا يسلم منه قريب ولا بعيد؛ لأنه لا يرى حرمة للنفس ولا للمال ولا للعرض .. لا يقف عند حدود شريعة أو دين، وحسبك وحشية وشرا من رجل يقتل أبناءه صبرًا، ويقطع رؤوس بناته دون أن يرتكبن إثما، ويطبخ رؤوسا بشرية ليجهز منها عشاء له ولجنده .. إنَّه عمل لَمْ يرتكبه المتوحشون من بني آدم منذ أقدم العصور؛ فهل أخطأ أولئك الذين دعوا إلى الوقوف في وجهه، وحبسه في مكانه، كما

تحبس الأوبئة الفتاكة المعدية؟ ..

لا ريب أنهم كانوا عَلَى حق! ..