الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٢٦الإباضية في موكب التاريخ
224
الإباضية في ليبيا (1)
عَمْر وُس بن فتح المساكني)
قمة شامخة من قمم العلم يندر أن تجد له مثيلا، ومؤمن مخلص في إيمانه، فهم حقيقة الإسلام وأسرار تشريعه وبطل من أبطال الكفاح، يتضاءل أمامه الأقران، ويسوق الجموع في الميدان كما تساق القطعان يملك إراداة بلغت من القوة مرتبة تذلل الصعاب، وتسهل العقاب، وتيسر الأسباب.
نشأ في "قطرس"، هذه القرية الجائمة عَلَى ضفة وادي" "تاله العميق من أرض الرحيبات وفيها درس وبلغ هذه المرتبة السامقة من العلم، ولقد كان - عَلَى هذا البعد عن مركز الاتصال والحركة - يستورد نفائس الكتب وغرائبها من كُلّ مكان، وتصل إليه فيدرسها
عنه
دراسة المتعمق الفاهم في أقل الأوقات، وعندما يحس بالتعب أو السامة كانت أخته تتولي القراءة أو الكتابة أو النقاش، وكم شهد بناء ذلك المنزل العامر من نقاش واع لمشاكل العلم والاجتماع، يدور بين ابنة فتح وأخيها، بين هذه الصبية الحسناء الذكية المثقفة التي تمثل المرأة المسلمة حق التمثيل، وبين أخيها الذي كان حجة من حجج العلم.
ويطول النقاش بين الأخوين العالمين حتّى تقتنع بصحة رأيه فتسلم، أو يقتنع بوجاهة نظرها فيرجع إليها، وعندئذ يستمران في الدراسة، أو يستمر عمروس في التحرير والكتابة، بمساعدة هذه الأخت الفاضلة العالمة، التي تُهيئ لأخيها العالم المصادر، وتنسق له العمل، وتعد له ما يحتاج إليه من أداة العلم الكتاب أو القلم أو الورق أو الدواة، وقد تتولى عنه إنجاز العمل إذا كان ذلك في إمكانها ..
ولقد بلغت هذه الصبية هذا المبلغ من العلم دون أن تُمزق الحجاب، وأن تسعى بين الرجال عارية الصدر مكشوفة الرأس، إن محافظتها على المظهر المحتشم لَمْ يمنعها أن تبلغ مالم تبلغه كثير من بنات اليوم السافرات المتخلعات الخبيرات بالحركات والغمزات .. مرَّ بقطرس - القرية التي أنجبت عمروسا - العالمُ المحدث الفقيه "بشر بن غانم" يحمل
معـ
(1) ذكره أبو زكريا في الطبقة السادسة؛ فهو من علماء النصف الثاني للقرن الثالث، وقد تولى القضاء لأبي منصور إلياس، واستشهد في وقعة مانو.