الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٢٧

الإباضية في موكب التاريخ

225

الإباضية في ليبيا (1)

مدونته واستقبله عمروس استقبال الأخ المسلم لأخيه المسلم، وعندما أراد الرحيل ترك المدونة وديعة عند القاضي الأمين حتى يعود ..

لم يخطر للقاضي أن يستأذن المؤلف في استنساخها؛ ولكنه فكر في نفسه ورأى أنه إذا لم يغتنم هذه الفرصة فإن هذه الثروة العلمية سوف تفلت من يديه واستعد للعمل .. أحضرت له أخته ما يحتاج إليه من ورق وقلم ومداد، وكانت تُملي عليه وهو يكتب في فناء الدار، حتَّى إذا وصلتها الشمس تحولا إلى الظل، ولَمْ يمض عليهما وقت طويل حتَّى أتما نسخها، ورجع صاحب الوديعة بشر بن غانم يطلب وديعته فأرجعها إليه عمروس؛ ولكن بشراً كان يتوقع هذا العمل من عمروس ولذلك فما تصفحها حتى ظهرت له آثار النقل في قطرات المداد، واستعمال الصحائف، فقال لعمروس وهو يبتسم: "لقد سرقتها"، وأجاب القاضي وهو جذلان: "سَمِّنى [إن شئت] سارق العلم".

أخذ العالم الكبير بشر بن غانم الخراساني مدونته وارتحل إلى المغرب، وقصد عاصمة الإمامة في "تيهرت"؛ وزين مكتبتها "المعصومة" الشهيرة بكتاب قيم جديد، هو مدونة أبي غانم، وكانت "المعصومة" من أعظم المكتبات الإسلامية، حوت أقيم الكتب وأندرها.

وعندما استولى الحجاني مولى عبيد الله الشيعي عَلَى تاهرت أحرق المعصومة بما فيها من نوادر الكتب ونفائسها واحترقت مدونة أبي غانم فيما احترق .. ولولا حرص عمروس وخدمته للعلم وجده في تحصيله؛ لخسر العالم الإسلامي كنزًا نفيسا من كنوز الشريعة الإسلامية، كما خسر من قبله ديوان جابر حين أحرقت مكتبة بغداد.

كان عمروس من أكبر أئمة العلم والدين وله أقوال انفرد بها، وحسب من أجلها إماما .. ألف في علم الكلام وفي الفقه، ولا يخلو موضوع في علوم الشريعة من آرائه وأقواله، وقد وضع تصميما لتأليف موسوعة علمية عَلَى طريقة حديثة - في ذلك الحين – يبين فيها الأحكام التي استخرجت من الإجماع، والأحكام التي استخرجت من القياس؛ ولكن المنية

أعجلته

عن إنجاز هذا العمل العظيم.