الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٢٨

الإباضية في موكب التاريخ

226

الإباضية في ليبيا (1)

بعث إليه العلامة عبد الخالق الفزاني أن يؤلف له كتابا في الأصول، فبعث إليه كتابه المعروف بالعمروسي، ودرسه العالم الكبير، وكان قليل النظراء، فاعترف في صراحة المؤمن وصدقه بأن صاحب هذا الكتاب أغزر مادة منه فقال: "النفوسي" أقوى مني" (1)، وكانت للفزاني كتب قيمة في هذا الفن، ولكن الاعتراف بالحق، والابتعاد عن الغرور، كانت من الصفات التي يتحلى بها أولئك السلف الصالحون.

حج في جماعة من أهل الجبل، وحضر مجلسًا للإمام الكبير مُحمَّد بن محبوب -رحمه الله -، وهو عمدة الْمَذهَب وإمامه حينئذ، فوجه إليه عمروس سؤالا؛ فقال الإمام: "إذا كان أبو حفص في شيء من هذا البلد فهذا السؤال منه، ثُمَّ أجاب عن السؤال، وتعارف العالمان الكبيران، ووقف عمروس موقف الطالب النجيب من المدرس البارع، فكان يسأل وكان الإمام يجيب، حتّى قال له الإمام: "هذا من مكنون العلم، ولا يصح النقاش فيه بحضور

العوام".

وكان إلى علمه وذكائه وسرعة بديهته لا يخشى أحدا في الحق .. سأله رجل بمحضر أبي: مهاصر: عَمَّن أخذ من مال ابن طولون خرجا فتاب وَلَمْ يعلم له صاحبا؛ فأجاب القاضي العالم تسأل عن صاحبه، فإن أعياك أمره فتصدق به .. فغضب أبو مهاصر وقال: "لا أقعد في مجلس يفتى فيه بمثل هذا قال عمروس: "إن شئت أن تقعد فاقعد، فإن من شأن المسلمين أن لا يويسوا أحدًا من رحمة الله .. " لقد كان أبو مهاصر شديدا، وهو يرى أنه يلزم صاحب الخرج أن وهو يرى أنه يلزم صاحب الخرج أن يبحث عن صاحبه أو ورثته مهما كلفه الأمر، ولن يبرئه من التباعة غير ذلك. أما عمروس فقد كان أعمق فهما لأسرار الشريعة وروح الإسلام، والعمل بمقتضاه، وقد أصبح قول عمروس هو القول المعمول به في الأحوال المشابهة. دعاه أبو منصور إلياس، وعرض عليه القضاء .. ومَنْ غير عمروس يمكن أن يلي القضاء لأبي منصور، إِنَّهُما نسخة مكررة من طبعة واحدة في الإيمان والتراهة، وقوة الإرادة،

1) راجع السير للشماخي أخبار عمروس بن فتح، ص 335.