الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٢٩الإباضية في موكب التاريخ
227
الإباضية في ليبيا (1)
والشجاعة، وليس بينهما فرق في غير غزارة العلم .. هذه الغزارة التي يتحلى بها عمروس العالم الذكي الذي انقطع للدراسة منذ صغره .. بينما رجع إليها أبو منصور بعد أن صلب عوده واشتد ساعده، ونضجت رجولته؛ فقال عمروس: " إن لم تأذن لي في قتل مانع الحَقِّ، والطاعن في الدين والدال على عورات المسلمين فخذ عنِّي قمطرك وخاتمك " (1) واستجاب الوالي لشروط العالم، وتولى عمروس القضاء، وسار فيه سيرة المؤمنين الأمناء، الذين يحافظون على حقوق الناس، ويخشون الله في عباده ويتقونه، وكان شديدًا عَلَى الظالم، قويًا عليه حَتَّى يأخذ الْحَق
اختصم إليه رجلان في مجلس الحكم بمحضر أبي منصور، وجمع كبير من المشايخ، فأدلى المدعي بالحجة فاستردده المدعى عليه الجواب فسكت وأعاد فسكت، ثُمَّ أعاد، فبقي المدعي ساكنًا وَلَمْ يقل شيئًا، فاستبان للقاضي لَدَد الرجل في الخصومة، فقام إليه فركله برجله، فقال الجلساء للقاضي: "عجلت على الرجل". فالتفت القاضي الذكي إليهم، وجمع أصابع يده وقال لهم: "كم" "هذه؟ " فأجابوه: "تلك خمسة! " .. . وتبسم القاضي وقال لهم: "لقد عجلتم، لماذا لم تبدأوا العد من الواحد؟ .. إن الْحَقَّ إذا استبان واتضحت براهينه لا يحتاج إلى الإطالة وتضييع الوقت وتعطيل الحقوق".
جاء قوم إلى أبي منصور يذكرون له أن قطاع طرق غالبوهم عَلَى عير لهم، وَلَمَّا ذهب الوالي إلى محل العير وجد كُلّ فريق من القوم يدعي أن العير له، وأن الفرقة الثانية هم قاطعوا الطريق، فحار وبعث إلى القاضي.
جاء عمروس فأبعد الطائفتين عن العير، ثُمَّ فتش أمتعتهما حتى عرف أسرارها ودخائلها، وعندئذ انفرد بكُلِّ من الفرقتين يسألهم عما في متاعهم، حتّى استبان الفرقة التي تعرف كل شيء في العير، والفرقة التي لا تعرف إلا الظاهر فقط، وجاء بهم إلى الوالي وقال له - وهو يشير إلى أصحاب العير: "هؤلاء أصحاب الرفقة، ثُمَّ أشار إلى الغاصبين وقال لأبي منصور:
" وهؤلاء أضيافك"، يكني بذلك عما يجب من حبسهم، والتنكيل بهم.
1) السير: للشماخي، 225.