الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٣٠

الإباضية في موكب التاريخ

228

الإباضية في ليبيا (1)

قلت في صدر هذا الحديث: إن عمروسا كان شجاعًا بطلا في ميدان الحرب كما كان عادلا في ميدان القضاء، وذكيًا في حل المشاكل، وقويًا في إثبات الْحَقِّ ..

حضر وقعة "مانو" بين نفوسة والأغالبة، تلك الوقعة الكبرى بين الإباضية في ليبيا، والأغالبة الزاحفين من القيروان، وكان العمروس فرس في مثل قوته وإقدامه، فكان يُحلّق على العدو كما يُحلّق العقاب، وعندما يلحظ ضغطًا عَلَى جانب من جوانب جيشه، يطير إليه، فيفرج عنه الكروب، ويشتت الجموع، وحار العدو في هذا البطل الذي يترل بهم الضربات القاتلات في جميع جهات الميدان، فقال قائلهم: "إنكم لن تحرزوا نصرا إلا إذا هوى هذا الشهاب"، فعمدوا إلى الحيلة - والحرب خدعة – فثبتوا حبالا في مكان، ثُمَّ وجهوا ثقلهم إلى تلك الناحية، ورأى البطل الكبير ما يقع في ذلك الجانب لأبطال جيشه المغاوير، فاتجه إليهم ليخفف عنه الضغط، ولكن الحبال اختلفت بين أرجل الجواد، فتعثر وسقط الفرس والفارس، وتسارعت عشرات الأيدي والسيوف إليه فأخذ أسيرًا، وجيء به إلى أمير القوم؛ إلى إبراهيم بن الأغلب، إلى الرجل المسعور الذي لم يرتكب فظائعه قائد حرب في تاريخ البشرية الطويل - فيما أعلم - وأراد القائد المجنون أن يشمت بالبطل المؤمن، فقال له: سلني" العفو فأعف عنك، فأجاب البطل: "إن الأعمار بيد الله، وتلك كلمة لن تسمعها مني أبدًا! .. " فقال إبراهيم: إذن فارجع عما أنت عليه لنتركك". فقال: "تلك كلمة لا أقولها حَتَّى ألحق بالله .. ! (1).

منهم

يجدوا منه

ضعفا ولو

وكانوا يوجهون إليه هذه الطلبات وهم يوالون تعذيبه، أملا أن في آخر اللحظات .. فكانوا يقرضون يديه بمقاريض من الحديد شيئًا فشيئًا، ويقدمون إليه عروضهم .. وكان ثابتا في إيمانه ثابتا في عقيدته ثابتا في مبدئه، ثابتا في شجاعته وبطولته حتى بلغوا بقطعهم ليديه إلى المرفقين، ففاضت روحه، رحمه الله!!! وسجل التاريخ على إبراهيم المجنون صفحة أخرى سوداء، مع الصفحات السوداء الكثيرة التي تركها في حياته.

1) انظر: سير الشماخي،225، والأزهار الرياضية، 2: 282 - 83.