الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٣١

الإباضية في موكب التاريخ

229

الإباضية في ليبيا (1)

حالة سياسية

كان أغلب المملكة الليبية تابعة للدولة الرستمية في تاهرت ما عدا المدينة، حسب معاهدة عبد الوهاب وعبد الله بن إبراهيم بن الأغلب، وبعد وقعة مانو بقليل تغلب أبو عبيد الله الشيعي. الشيعي على تاهرت وخربها، وأحرق مكتبتها، فانقرضت الدولة الرستمية، وانقطعت الصلة السياسية بين ليبيا والجزائر فأصبح مركز الإباضيَّة في ليبيا جبل نفوسة، وبسقوط تاهرت صار هذا الجبل وما يتبعه مستقلا عن جميع الدول الأخرى؛ إِنَّه لم يخضع لابن طولون، وَلَمْ يَخضع للأغالبة، كما لم يخضع قط للدولة

الفاطمية أو لغيرها من الدول التي تعاقبت على الحكم في المغرب الإسلامي إلى الاحتلال التركي. وَلَكنَّه مع هذا الاستقلال لم يعلن ميلاد دولة جديدة، وَلَمْ يبايع إمامًا؛ وَإِنَّمَا كان يختار من رجاله الأكفاء حاكما يتولى شؤون الأُمَّة؛ فيحل المشاكل، ويوصل الحقوق، ويدافع العدو، ويوجه الأمة باستشارة العلماء، وبالْجُملة يقوم بجميع ما يقوم به الإمام دون أن يتسمى بذلك. وفي الصفحات المقبلة سوف أحدثك أيها القارئ الكريم عن عدد من هؤلاء الحكام الذين تولوا أمر الأمة في الجبل، فساروا بها في الطريق القويم؛ الذي سار عليه السلف الصالح من أمة محمد.

وأنا حين حدثتك عَمَّن ولي الحكم في ليبيا ابتداء من عدوان العباسيين على الإباضية دون حدث، وقتلهم للعلامة عبد الله بن مسعود التجيبي إلى انقراض الدولة الرستمية، أو حين أحدثك عَمَّن ولي الحكم في جبل نفوسة إلى الاحتلال التركي، لا أتبع سلسلة التاريخ، ولا أتقصى الأشخاص، وَلَمْ يكن عرضي شاملا لجميع أولئك المؤمنين الذين ألقيت على كواهلهم أعباء الأمانة

الله،

العظيمة، أمانة القيام بأمور المسلمين، ولكنني أحدثك عن بعضهم كأمثلة لما سار عليه الجميع. وللقارئ الكريم أن يرجع إلى التاريخ المبسط المنصف، وسوف يجد أمثال ما أعرضه عليه من الصفحات المشرقات في أولئك الذين تولوا أمر الحكم سواء كان ذلك في مناطق فزان المختلفة، أو في سرت، أو في زواغة، أو في قنطرار "تيجي" أو جبل نفوسة، إنَّه لن يجد في إلا ما حكم هؤلاء وفي سيرتهم وفى أخلاقهم وفي دينهم إلى ويرضي رسوله، ويرضي صالحي المؤمنين، ويشرف الإنسانية المعتزة بالْحَقِّ والعدل، اللهم إلا إذا لم يفرق بين الإباضية والنكار، أو بين الإباضية والصفرية، أو بين الإباضية والشيعة، أو بين الإباضية وغيرهم من الفرق فينسب إليهم، ما ارتكبه أولئك من الفظائع، أو ينسب إليهم ما يرتكبه أعداء الأمة من أعوان السلاطين الظلمة، الذين لم يحترموا حكما من أحكام الله.

يرضي