الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٣٣

الإباضية في موكب التاريخ

231

الإباضية في ليبيا (1) ا

يجتمع أهل الرأي والمشورة فيختارون أكفأهم؛ يسندون إليه أمورهم، ويضعون بين يديه شؤونهم، فيتولى القضاء بين متنازعيهم، والفصل في مشاكلهم، ومدافعة العدو بهم، وَكُلُّ ذلك لا يتم إلا باستشارتهم، فإن سار على النهج وأعجبهم منه السلوك ساعدوه، وإلا عزلوه واختاروا لمكانه غيره، وفي أكثر الأحيان يتم هذا الاختيار بين مستشاري جبل نفوسه كلهم، وتكون صلاحيات الحاكم الذي يختارونه جارية عَلَى جَمِيعِ الإِباضية في الجبل وتوابعه، ولكن قد يقتصر حكم أحدهم على ناحية من نواحي الجبل، بينما يتولى غيره رعاية شؤون الأمة من الناحية الباقية؛ وحينئذ تكون العلاقة بينهم علاقة تعاون ومشاركة في السراء والضراء، وليس توزيع الحكم بينهم إلا تقسيما للعمل، كي يتيسر القيام به على أهون سبيل، أما الأمة فهي تزال أمة واحدة، رتبطة المصالح، لا تفرقة ولا خلاف، وعندما ينقضي هذا الوضع تعود الأمة إلى ما كانت عليه من وحدة السياسة والهدف والحكم. لست أعني بذكر الحالة السابقة أن هناك نزاعا عَلَى الحكم، أو اختلافا في الرأي، تفرقة بين أبناء الأمة قد جرى في زمن من الأزمنة التي تقع بين سقوط الدولة الرستمية ودخول تركيا إلى ليبيا .. إن شيئًا من ذلك لم يكن في حفظي، ولا في المصادر التي بين يدي من كتب التاريخ، ولا أستثني من ذلك إلا الخلافات الفردية

العادية، التي تقع عند كل أسرة.

الله

لا

ذهب أبو محمد عبد الذين قدرت لهم الحياة بعد هذه الوقعة فرجع سالما إلى قريته الصغيرة، وهو يتحسر ألما على الخسارة التي مني بها الجبل، وعندما توفّي أفلح بن العباس هرع بقية المشايخ إليه، يعرضون عليه طلبهم، وَلَمْ يشفع له كبر سنه، فإن الحاجة إليه شديدة، إذ لم يبق من الأعلام الكبار بعد تلك الوقعة غيره وغير أبي القاسم البغطوري، وكان أكبر منه سنا، وأوهن عظما، فأسندوا إليه الحكم عليهم، والقضاء بينهم، فسار بهم سيرة أولئك الأعلام الذين عرفت تقواهم لربهم، ولزومهم لهدي محمد، القويم، ورأيت نماذج من حكمهم: مساواة في الحق، وعدالة في

الخير فيمن ذهب إلى مانو، وكان من الأفراد القلائل بن

وتمسكهم بدين

الله