الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٣٤الإباضية في موكب التاريخ
232
الإباضية في ليبيا (1)
الحكم، وسهر على مصلحة الأمة، ينبعث كُلّ ذلك عن فهم عميق لأسرار الشريعة،
وإيمان خالص بدين
الله، ومحبة صافية للمؤمنين ..
كان الإباضية في جبل نفوسة من أحرص الناس على اتباع السنة، والعمل بها، فكانوا لا يولون أمر الصلاة بهم إلا من تجتمع فيه شروط الصلاح الكاملة ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، وكان أبو عبد الله ممَّن اجتمعت فيه هذه الشروط؛ فهو أعلم القوم، وأحفظهم لكتاب الله، وأشدهم استمساكا بدين الله، وأكبرهم سنا؛ ولذلك فقد كان يتولى أمر الصلاة بالناس، وغلب عليه الكبر، وأثقل طول الزمان سمعه، فكان يجهر بصوته في القراءة السرية حَتَّى يسمعه من خلفه فقال له خلفه فقال له يحى بن يونس السدراتي يوما: "ما تسعنا الصلاة خلفك وأنت تجهر بالقراءة حتى نسمعك". فقال الإمام العالم: "لم أكلف سماعك يا أبا يونس؟ .. " وكان هذا الجواب كافيا أن يعرف ابن يونس وغيره أن تكليف الله لعباده إنَّما يتعلق بما عندهم من قوى، لا بما عند غيرهم .. إنَّه عندما يقرأ في صلاة السر لا يراعي إلا أذنيه، فإذا كان صوته عاليا بحيث سمعه من خلفه – لأن في أذنيه ثقلا - فلا يعني أنه قرأ جهراً في موضع في موضع السر؛ لأنه مكلف أن يسمع أذنيه في قراءة السر.
جلس للتدريس والفتوى بعد وقعة مانو وبذل من الجهد في نشر العلم ما يعجز عنه من كانوا في عنفوان الشباب وَلَمْ يَحل دون قيامه برسالة التعليم المقدسة لا كبر السن، ولا ضعف البدن، ولا الانشغال بمهام الحكم، ولقد استطاع بما بذل من جهد أن يعيد في مدة ليست بطويلة ما خسرته الأمة في معركة مانو الطاحنة، وَلَمْ يسانده في هذا العمل إلا أبو القاسم البغطوري، الذي بذل من الجهد العلمي أكبر مما بذل أبو محمد عبد الله؛ لأن أبا القاسم لم يشتغل بالحكم وكأن حكمة الله أرادت أن يكون هذان الرجلان هما دعامة النهضة، فأتاحت لهما من العمر الطويل ما لم يتح لغيرهما، فقد عاش أبو محمد مائة وعشرين سنة، أمضى أولها في الكفاح من أجل التعلم، والاغتراف من مناهل الثقافة الواسعة، وأمضى آخرها في كفاح الجهل والظلم والباطل. حتَّى قبضه الله إليه. فرحمه الله رحمة واسعة.