الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٣٥الإباضية في موكب التاريخ
233
الإباضية في ليبيا (1)
أبو يحيى زكريا الأرجاني"
"أرجان" اليوم، أطلال قرية قريبة من "مزو" تقع إلى الشرق منها على نحو ميل، وهى فوق ربوة عالية تشرف على ما يجاورها من الأرض، وعلى قمة تلك الربوة يجثم اليوم في وقار وخشوع مسجد فسيح ينسب إلى أبي زكريا الأرجاني ولد أبي يحيى، ولا يزال هذا المسجد إلى اليوم مقصد المسلمين عند صلوات الاستسقاء والاستغاثة.
وفي هذه القرية التي تقتعد قمة ربوة عالية كالحصن المنيع يحيط بها آلاف من شجر الزيتون كما يحيط الإطار الجميل بالصورة الرائعة في هذه القرية المتفتحة للحسن نشأ أبو يحيى زكريا الأرجاني وفيها درج وبين رياضها الغناء وقممها الشامخة الشماء، وضفة واديها العميق سرح .. وفي شلال ماصر وبحيرة زرقاء تحول وسبح .. في هذه المناظر الجميلة الساحرة تكونت المواهب الأولى للطفل، ثُمَّ انطلق إلى معاهد العلم ينهل منها بذهن متفتح، ويغترف من المنابع الغزيرة التي كانت متوفرة في ذلك الحين، فبلغ في المعرفة أسمى الدرجات، وتحلى بما يتحلى به أولئك المؤمنون من الخلق الرفيع، وسار سيرتهم العطرة، التي لا توجد إلا عند الصفوة من أمة محمد لالالالال.
وعكف بعد ذلك على دراسة كتاب الله وسنة رسوله وتفهم أسرار الشريعة، حتّى كان في ذلك مرجعًا، وعرف فيه المسلمون هذه الصفات النادرة من العلم، والعمل، والخلق، فأولوه ثقتهم، وولوه أمرهم، وبايعوه إمام، دفاع، على أن يتولى شؤونهم حَتَّى في حالة السلم؛ فيفصل مشاكلهم، ويحكم بين متنازعيهم، ويأخذ الحقوق من أغنيائهم ليضعها في من شؤون أمة يوجه سياستها الداخلية مؤمن آمين .. وقد قبل ما عرضوه عليه وتحمل هذه الأعباء الثقال بما عرف فيه وفي أسلافه، من أمانة ودين وحرص عَلَى مصلحة الأمة.
فقرائهم، إلى آخر ما هنالك
1) من الطبقة السابعة من علماء النصف الأول للقرن الرابع؛ أسند إليه حكم الجبل وما يليه باتفاق أهل
والعقد من مشايخ جبل نفوسة.