الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٣٦الإباضية في موكب التاريخ
234
الإباضية في ليبيا (1)
عندما تشاور المسلمون في أمر الحكم، وعرضوه عليه، واتفقوا على إسناده إليه، لم يتهرب من المسؤولية، وقبلها مستعينا بالله على القيام بواجباته .. كانت أمه وأخته وهما من العالمات الصالحات خائفتين عليه من هذا العبء الثقيل، وعندما كانت النساء مقبلات عليهما للتهنئة بهذا المنصب الرفيع، وبهذه الثقة، وهذا الاختيار، كانت الأم والأخت تنتحبان، وتذرفان الدموع، وتجيبان المهنئات: "إنَّهم قدموه إلى النار، إنَّهم وضعوا على كاهله أعباء ثقالا ينوء بها، إنَّهم اختاروه ليفصل مشاكلهم ويفرز بين حقوقهم فيبوء الناس بالمشاكل المفصولة والحقوق المتاحة، ويؤوب بالحساب العسير، والغرم الكبير". وانتصب الحاكم المدافع للقيام بهذه المهمة الثقيلة رغم معارضة أمه الرؤوم، وأخته الحنون، وَلَمْ يتردد في التضحية بنفسه عندما احتاجته أمته، فكان مثلا للمؤمن الذي يرعى الأمانة ويتبع الحقِّ، ويفصل المشاكل، ويستميت في الدفاع، وهو في كل ذلك معرض عن متاع
الحياة وزخرف الدنيا.
ولد له ولد فجاءه الناس للتهنئة، وقدم فيمن قدم جماعة من اليهود، جمعوا له أربعين ديناراً للمولود الجديد، فقال لهم: لو كنت أقدر على صيانتكم لأخذتها منكم جزية، ولكنني لا أقدر على صيانتكم، فخذوا أموالكم) .. وعبثا حاولوا أن يقدموها إليه هدية، إنه لا يقبل الهدايا وهو في منصب الحاكم أو الأمير، وَلَعَلَّه كان يذكر في ذلك الحين حديث رسول صلى الله عليه وسلم: «أما بعد: فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ رِجَالاً مِنكُمْ عَلَى أُمُورٍ مِمَّا وَلَانِى اللَّهُ، فَيُنَاجِي أَحَدُكُم فَيَقُولُ: هَذَا لَكُم، وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ إِلَيَّ، فَهَلاً جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنظُر أَيُهدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ مِنهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِن كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاء، أو بَقَرَةً لَهَا خَوَارٌ، أَو شَاةَ تَيعِرُ» ()، ثُمَّ أطعم هؤلاء
(2)
اليهود عنبا، وانصرفوا وهم يعجبون .. كانوا يتحدثون وهم يقولون: "عجبا، ما رأينا مثل هذه البلاد، لا يطمع سلطانها في أموال الناس". وحق لهم أن يعجبوا؛ فهم يعرفون ما
(1) راجع السير، ص 243.
) أخرجه البخاري، عن أبي حميد الساعدي بلفظه، باب محاسبة الإمام عماله (6772، 6/ 2632. ومسلم، مثله، ر 1832، 3/ 1463. (المراجع)