الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٤

الإباضية في موكب التاريخ

22

نشأة المذهب الإباضي ولست بذكرى هؤلاء المكافحين في سبيل الله من حملة الأقلام الأحياء أنكر فضل غيرهم ممن جاهدوا لإعلاء كلمة الله، فإن الجهاد في سبيل الله لا ينكره مؤمن بالله، ولكن الحصر لا يتأتى في مثل هذا المقام فلست أنسى فضل الأستاذ الإمام، وبعثه للروح الإسلامية في المسلمين، ولا أثر تلاميذ الدرس أو تلاميذ الفكر الذين حرروا عقول المسلمين من الخرافة والبدعة والجمود وردوا مطاعن الكائدين من بقايا الحروب الصليبية

المتعصبة.

كما لا أنسى فضل الإمام البناء الذي نفخ روح العزة والكرامة والكفاح في نفوس الشباب المسلم، وبذر فيهم روح الفدائية التي يسميها الإِبَاضِيَّة (مسلك الشراء)، ويعتبرونها مظهرًا من كرامة المسلم وعزة الإسلام عندما تسيطر دول الطغيان والظلم والله العزة ولرسوله وللمؤمنين.

إنَّني لا أنسى فضل هؤلاء، ولا فضل غيرهم ممن لم أذكره في هذا الفصل القصير؛ ولكنني أشرت بالتخصيص إلى أقلام مباركة حية لا تزال في ميدان المعركة تواصل الكفاح في سبيل الله ضد الطغيان طغيان العدو الخارجي وطغيان العدو الداخلي. طغيان المال الذي نفخ الكبر في أفراد البشر، فاقتعدوا في زعمهم عروش الآلهة. وطغيان الفقر الذي نفخ الذلة والاستكانة في قلوب أفراد من البشر، فأصبحوا عبيدا لإخوانهم من بني الإنسان. طغيان العلم الملحد الذي لا يعترف إلا بالمادة، ولا يؤمن إلا بالتجربة، ولا يستسلم إلا ذلك يجهل أقرب الحقائق إليه، وأدنى المعارف منه، فما يعرف شيئًا عن مجرى الحياة بين يديه، ولا يفهم سراً من أسرار النفس البشرية التي يكافح لخدمتها، ولا يصل إلى أقرب المعلومات عن الروح التي أودعها الخالق في الإنسان والحيوان

لما تلمسه يداه، وهو مع

والنبات.

وطغيان الجهل الكافر الذي ينحجب عنه النور، فلا يستبين الحق فيما دعت إليه رسالات السماء للتحليق بالإنسانية في ملكوت الله، ولا يرى الباطل فيما وسوست به شياطين الأرض من الإخلاد بابن آدم في وحل الطين، وقذارة التراب.