الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٥الإباضية في موكب التاريخ
23
نشأة المذهب الإبا
لماذا كتبت هذه الفصول؟
يحلو لبعض المتعلمين الذين لا يعرفون من حقائق التاريخ، وبداهة العلم، وأوائل أصول العقائد، ما يباعد بينهم وبين العامة ويخرجهم من حيز الأمية الثقافية، يحلو لناس من هؤلاء، أن يتزيوا بزي العلماء العارفين، وأن يتحدثوا حديث الباحثين المطلعين، وأن يستعرضوا أحداث الزمن في الحاضر والماضي، ليطلقوا عليها أحكاما قاطعة، ويدلوا فيها بآراء ثابتة، دون حاجة إلى حجة أو دليل غير أن أحدهم قرأ موضوعا في مجلة، أو أن الآخر رأى فقرة تتحدث عن موضوع معين في جريدة سيارة، أو أنه لمح ذلك في كتاب كتابين، وقد يكون هذا الموضوع الذي لمحه صاحبنا، لا يمكن لمحقق أن يصدر فيه برأي
إلا
بعد الجهود المضنية، والأبحاث المستفيضة والاطلاع على عشرات المجلدات. وقد استمعت إلى مناقشة لنفر من هؤلاء الفريق تناولوا فيها طوائف المسلمين بالعرض والتحليل، والتخطئة والصواب والهداية والإضلال، وعرضوا فيما عرضوا إلى الإباضية، فقال بعضهم: هم فرقة من الخوارج؛ لأَنَّهُ قرأ ذلك في كتاب من كتب التاريخ. وقال آخرون بل هم فرقة من المعتزلة؛ لأَنَّهُم يعتقدون أن القرآن الكريم مخلوق. وذهب بعضهم إلى أَنَّهُم يتفرعون عن الأشاعرة؛ لأنَّه سمع أنهم يؤمنون بالقدر خيره وشره من الله. ولم يهتم واحد من هؤلاء الذين يتطارحون النقاش ويتبادلون الآراء، وينزلون الأحكام على عدد من الفرق الإسلامية، بالتخطئة أو الصواب أن يظهر الأسباب التي دعته إلى إصدار حكمه، والأدلة التي يستند إليها في إبداء رأيه غير ما قدمه من تعليل ساذج في بعض النقاط لا يقنع عقلا، ولا يصلح سببًا لوجهة النظر. وقد رأيت أن أستعرض أحد تلك المواضيع التي دار حولها النقاش بقدر ما أستطيع، وأن أحاول الإجابة عن تلك الأسئلة الحائرة التي تداولتها فيه الألسنة والشفاه، وأن أتحدث عن بعض الأصول التي بني عليها الإباضيَّة، مذهبهم، واستمدوا منها عقيدتهم، واقتبسوا منها
أدلتهم وبراهينهم.