الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٤٢الإباضية في موكب التاريخ
240
الإباضية في ليبيا (1)
اهتم
جئته
القد
هذا العلامة الكبير بمثل ما اهتم به صديقه ابن ماطوس، من نشر العلم والخلق الحميد، وبث روح الإسلام الصافية في نفوس الطلاب والمجتمع. وأسس مدرسته العظيمة التي تعتبر مثالية في ذلك الحين، وندر من لم يستفد من الأثر الكبير في حياة الأمة، مع شدة إقبال الناس على هذه المدرسة، كان ابن ماطوس يرى أن الناس مقصرون في الاغتراف من هذا المنهل العذب، فكان يقول: لو علم الناس ما ينفعهم لازدحموا عند باب داره كما يزدحمون عند باب دار أبي عبيدة في البصرة، جمع أبو هارون بين غزارة العلم، ووفرة المال، فقد كان دائم الكفاح .. الكفاح المتواصل الذي لا يعرف الراحة أو الاستجمام، فلن تجد أبا هارون متى إلا في إحدى حالتين: نشر العلم وبث المعرفة وتثقيف العقول، أو جمع المال من طرقه المباحة التي يعرفها حق المعرفة. وفي رأس السنة المالية لميزانيته يقسم موارده إلى ثلاثة أقسام: يخصص القسم الأول للنفقة على نفسه وعائلته ومن تلزمه مصاريفه، ويخصص الثاني للضيوف وأبناء السبيل، والحقوق التي تجب عليه أو على بلده من هذه الناحية. ويخصص القسم الثالث للإنفاق على الأقسام الداخلية في مدرسته العامرة، التي يؤمها عدد غير قليل من الطلاب البعداء، فتتكفل المدرسة بإيوائهم والإنفاق عليهم. وكان إلى هذه المكانة السامقة من العلم والمال شديد التواضع، لين الخلق، سهل المعاشرة، يوقر أصحاب الفضل والعلم، ويستشيرهم حتى فيما يعرفه حق المعرفة. زاره أبو محمد عبد الله بن الخير "بالجزيرة" وبينما كان الشيخان يتحدثان إذا ارتفعت صيحة عن غارة موجهة إلى القرية فوثب أبو هارون إلى سلاحه تم اندفع إلى الميدان .. ثُمَّ تذكر أن في ضيافته العلامة أبا محمد عبد الله بن الخـ الخير، الحاكم والقاضي على الجبل، وأنه يجدر به أن يلتمس منه النصح والإرشاد قبل أن يبدأ العمل، وإن كانت السبيل واضحة أمامه وحكم الله جليا في مثل هذه القضية .. ورجع إلى الضيف الكبير يستشيره ويستنصحه فيما يجب أن يفعلوا إن أدركوا العدو؛ فقال القاضي العادل، والحاكم العالم: "إن" قتلوا الأنفس وحازوا الأموال