الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٤٤الإباضية في موكب التاريخ
242
الإباضية في ليبيا (1)
اللسان، غزير المادة، شديدا في دين الله ..
كان قوي الحجة، فصيح رأى تبرجا من نساء "قصطالية" فقال: "ما أكثر إماء أهل هذا البلد" فحملهن على غير الحرائر .. وقد كان في هذه الكلمة من التوبيخ والزجر ما يدفع الضمائر الحية إلى العمل.
تتيمم
كان مسافراً في شتاء شديد البرد، ومعه شيخان، ورعان فمروا بغدير وقت الظهر، فاختلفوا في وجوب الوضوء، فتيمم ابن زرقون وتوضأ أحد الشيخين الورعين، فأصيب من شدة البرد، فقال ابن زرقون لصاحبه: "لم تُجز لنفسك أن لصلاة واحدة؛ فتيمم الآن لصلوات عدة. إن فهم روح الشريعة والمقاصد السامية من تكاليفها هي حقيقة الورع، وإن الجمود على ظواهر النصوص قد يؤدي إلى عكس المطلوب. فقد فر صاحب ابن زرقون من تيمم واحد، ولكنَّه اضطر - لقصور فهمه حكمة الطهارة في الإسلام إلى التيمم لعدد من الصلوات. كان ابن زرقون في صغره ذكيا ظريفا، نجيبا، وكثيراً ما كان أستاذه "ابن الْجُمَع" يُمازحه بتوريات غامضة، فينتبه لها الطالب الذ الذكي، ويجيب على البديهة.
قال له يوما إنك ولد في الطين!! يوهمه أنه يصفه بالفطنة فقال الطالب النجيب: "إنَّه غير متزلق"، ليبرهن لأستاذه أنه فهم التورية.
وقام يوما من الأيام بعمل يستحق عليه الشكر، فقال له الشيخ: الزيت خير، يوهمه أنه قال له: جزيت خيرا، ولكن الطالب النجيب فهم أيضا هذه الدعابة من أستاذه وقال له عَلَى البديهة: "يصلح للخبز". وهكذا كان الفتى الظريف مع أستاذه الكبير، يتلقى عنه العلم، ويتلقف منه الدعابة ويقتبس منه الهداية والرشد.