الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٤٥

الإباضية في موكب التاريخ

243

الإباضية في ليبيا (1)

(1)

أبو عمر و ميمون بن محمد الشروسي.

عالم اشتهر بكفاح الرذيلة حَتَّى بلغت أخباره أقاصي البلاد. سمع يوما أن جماعة يشربون الخمر "بالفحص" وبين هذا المكان "وشَرْوَس" مركز حكمه وإقامته ما لايقل عن ستة أميال، فذهب إليهم، وأراق، شرابهم، وكسر، آنيتهم، وأقام الْحَد عَلَى من يستحقه منهم.

جمع إلى الورع الشديد العلم الغزير وإلى رقة القلب قوة الإرادة ومتانة الدين، ولهذه الصفات وغيرها من الصفات التي يتحلى بها المؤمنون المخلصون وثق فيه الناس فولوه أمرهم، كان شديد الخوف من حقوق الناس، فكان يرتعد كما ترتعد السعفة في مهب الريح إذا وضعت بين يديه قضية للحكم، وكانت دموعه تنحدر دون أن يملك حبسها، إذا قال له الخصم: "أعطني حقي" خوفًا أن يكون مال عن الْحَقِّ، وَلَمْ يعرف الصواب، وحسبك دين وعدلا لرجل يلي الحكم، أن تكون هذه أخلاقه وسيرته ..

قانون

الله،

أخذ جانيًا فحبسه في بيته موثقاً ليستشير في أمره بعض المشايخ، ويتزلوا به العقاب الذي يقرر وفي الليل قام أبو عمرو إلى الصلاة، فوجد الجاني فرصة للإفلات، ففك قيوده ثُمَّ هجم عَلَى أبي. عمرو بسكين كانت في يده وجرحه، ولكن أبا عمرو - وكان شجاعا وقويا وشديدا في أمر الله - رجع إلى الجاني وقبض عليه من جديد، ونزع منه الموسى، ثم أوثقه وعاد إلى صلاته، وَلَمْ يرد أن يتزل به أية عقوبة حتَّى حضر المشايخ خوفًا أن يؤثر عليه الغضب، أو أن

يكون قد انتصر لنفسه. وحضر المشايخ، ورأوا فيه رأيهم الذي لا يتجاوز الحق والعدل. ذهب إلى "جادو" لبعض الشؤون، وعندما كان في الطريق وهو راجع إلى شروس سمع أن جيا عظيما يريد الغارة على الجبل، فتوقف في الطريق يفكر في الأمر، إنه لم يستعد للحرب والقتال، وهو بعيد عن مركز حكمه، فما العمل؟ وبات ليلة وهو يفكر: هل يبدأ بالدعوة إلى الدفاع من مكانه، أم يرجع إلى مركز حكمه أولا، ثُمَّ يجهز الجيش ويعد العدة، ولكن قد يقع الهجوم قبل أن يصل هو إلى مركز الحكم وإعداد ما يلزم للدفاع، وقضى ليلة مؤرقة في غار توكيت تمزده اليوم، وهو يقلب الرأي.

1) ذكره أبو زكريا في الطبقة الثامنة، فهو من علماء النصف الثاني للقرن الرابع. تولى الحكم على جبل نفوسة وما يليه بأمر المشايخ بعد أبي سليمان التندميرتي.