الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٤٦

الإباضية في موكب التاريخ

244

الإباضية في ليبيا (1)

وعلم الجند أن أخبارهم سبقتهم إلى حاكم الجبل أبي عمرو، وأن الرجل موجود في وسط الجبل ومعمعة العمران، وأنه لا يلبث أن يلاقيهم بجموع يحرصون على الموت في سبيل الدفاع عن حرماتهم، كما يحرصون هم عَلَى الحياة؛ فلم يجدوا خيرًا من أن يؤخروا هذه الغارة إلى فرصة أخرى، وبكروا بالرحيل ..

يسير

كان أبو عمرو إلى هذا الحزم وهذا العزم، وهذه القوة، مثلا للتواضع واللين بين المؤمنين .. كان ذات يوم ومعه ولد له صغير فالتقى بأبي سليمان التندميرتي، فتزل عن فرسه إجلالا لأبي سليمان وتعظيما، وعجب الولد الصغير من سلوك أبيه، فلم يعلم في الجبل رجلا أعظم من الحاكم مقاما، ولذلك سأل أباه قائلا: "من هذا الرجل الذي تترل له عن فرسك يا أبي؟ ". فقال الأب: أولا تعرفه؟، إنَّه أبو سليمان الرجل الذي أنزل الحمل الثقيل عن ظهره وحملته أنا .. " .. هكذا كانوا يرون الإمارة .. إنها حمل ثقيل يفرح المؤمن عندما يتخلص منها، ولا يتقبلها إلا وهو مضطر. وقد بذل أبو عمرو مجهوداً جباراً ليلقي عن ظهره هذا الحمل الثقيل، حتّى تخلص منه في يوم الأيام، وجاء بعض المشايخ يلومونه على ذلك، فقال لهم: "إنني أرغب أن أخلص إلى عبادة

من

ربي

قبل الموت، ولو لمدة قصيرة، وإنني أريد أن لا يشتغل فكري بغير عملي في آخر حياتى .. " قلت في صدر هذا الحديث إن أبا عمرو قد اشتهر في جميع البلدان بسيرته الحميدة، وخلقه الفاضل، ودينه الكامل .. جاء من السودان جماعة من التكرور يحملون بضاعة وافرة للتجارة ولما سمعوا عنه من علم وعدل طلبوا مقابلته، فلم يضن عليهم بها، واجتمع بهم: "فملأ أعينهم وأفئدتهم علما وأدباً وحياء" فجمعوا له أربعمائة دينار، وقدموها إليه من أصدقاء معجبين، فامتنع عن أخذها، وترك لهم أموالهم، وفتح أمامهم الأسواق، ودعا الناس إلى التعامل معهم. إنَّه مثل سام من أمثلة النزاهة والشرف والفضيلة، لا يجده الباحث كثيرا في كتب التاريخ، تاريخ الأمراء الظلمة الذين يزهقون الأرواح، وينتهكون الحرمات، للحصول على مبلغ قد يكون أقل من هذا المبلغ بكثير .. ولعله يكون من المناسب أن أختم هذا الفصل بالكلمة البارعة التي وصفه بها أبو العباس: "وكان ميمون الناصية على نفوسة مدة ولايته".