الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٤٧الإباضية في موكب التاريخ
245
الإباضية في ليبيا (1)
أبو الفضل سهل
هذا رجل لا أريد أن أطيل عنه الحديث، وحسبه أن ولى الحكم على الجبل في وقت بلغت فوضى الحياة في ليبيا مبلغًا يؤسف له، فقد اختاره الناس وغارات الأعداء من الدول الظالمة متوالية، وقبائل البداة الضاربين حول الجبل من الجنوب والشمال لا ينفكون عن السرقة والعدوان؛ إِنَّهُم أقوام لم يتمكن الإيمان من قلوبهم، فلا يستمسكون بحق، ولا يتعبدون بدين، خلق عن أموال الناس، وكانوا يتباهون ويتفاخرون بأنواع العدوان الذي يقومون
ولا يردعهم
به ومقدار الأموال التي يغتصبونها أو يسرقونها من أصحابها، الآمنين المسالمين. وتولى أبو الفضل سهل الحكم في الجبل، فشمر للكفاح، وقابل العدوان بالصبر والنضال، ورتب في كُلّ جهة من الجهات المعرضة للسطو حامية ترد الضربات، وتقف للمغيرين بالمرصاد، ولم يلبث إلا قليلا حتَّى أمن الناس على أموالهم وحرماتهم، وانتشر السلام في كامل الجبل وما يتبعه، بل لقد سار الأمن في جميع نواحي الجبل إلى "غدامس". بلغه يوما أن فسادًا يقع في "غدامس"، وأن قوما من هؤلاء الذين اعتادوا ابتزاز الأموال بالباطل، يرتكبون من الموبقات في "غدامس" ما لا يرضاه الحر الكريم، فجرد حملة توجه بها إليهم، ورغم معارضة المشايخ له خوفًا عليه، فقد أصر ووصل إلى "غدامس" وضرب على الأيدي العابثة، وأصلح الفساد، ونشر الأمن بين الناس. هاب الناس هذا الحاكم الحازم، فتوقف عن الجبل عدوان المعتدين، وغارات المغيرين، وسرقات أولئك الذين لا يخافون في الله إلا ولا ذمة ..
وإن رجلا يستطيع أن يقمع الفساد، وأن يرد كيد أعداء يتكالبون دون أن يتقيدوا بدين، أو ضمير؛ لذو فضل ..
(1) ذكره أبو زكريا في الطبقة الثامنة؛ فهو من علماء النصف الثاني للقرن الرابع، تولى حكم الجبل وما يليه بأمر
المشايخ.