الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٤٨

الإباضية في موكب التاريخ

246

الإباضية في ليبيا (1)

أبو مُحمد زيد بن أقصيت الدري)

جد عائلة توارثت العلم والحكم والاستقامة، وإن تفاوتوا فيه على درجات، حسبما وصفهم صاحب السير فقال: "إن أبا مُحمَّد: الآخرة دون الدنيا، وأبا يحيى يوسف بن محمد الدنيا والآخرة وأبا داود سليمان بن أبي يحيى الدنيا دون الآخرة". وليس معنى هذا أن أبا داود أعرض عن دين الله وأسلم قياده للهوى، وزاغ عن الصراط المستقيم وسلك الطريق الذي سلكه الظالمون، فإن أمثال هؤلاء لا يمكن أن يلوا أمرا للمسلمين في ذلك الحين ولكن معناه: أن أبا محمد زهد في الدنيا فلا يقيم لها وزنا، لا يهتم بطعام ولا لباس وأن أبا يحيى إذا اجتمع عنده الرديء والجيد من الطعام واللباس استطرف. أما أبو داود فكان يتأنق في لباسه،

(2)

ويستطيب الطعامه، وقُلْ مَنْ حَرمَ زِينَةَ اللَّه التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق) () ويؤكد هذا المعنى ما ورد في السير: "وكان أبو مُحمَّد إذا قام من مجلس القضاء أكل ما حضر وأبو يحيى يأكل ما، خبز، ورُبَّما استطرف، وأبو داود يأكل اللحم والقمح وتمر فزان في أكثر أوقاته، وكانت أيام أبي داود سليمان مباركة على

نفوسه (3)

الله

تولى أبو مُحمَّد ثُمَّ ابنه أبو يحيى الحكم على جادو، أما أبو داود وأبو محمد عبد ولدا أبي يحيى فقد توليا الحكم على أهل زمور - قرى الرجبان اليوم -، وقد كانت أحكام الجميع وسيرهم سير من سبق من السلف الصالحين. إن كُلّ واحد من هؤلاء الأعلام يستحق أن يشغل من وقت الدارس فراغا لمن أراد أن يتتبع أحداث التاريخ، ولكني في هذه الفصول إِنَّمَا أعرض صورا، وقد

1) ذكره أبو زكريا في الطبقة السابعة؛ فهو من علماء النصف الأول للقرن الرابع: تولى الحكم على جبل نفوسه

وما يليه باتفاق أهل العلم والرأي في الجبل.

(2) سورة الأعراف: 32.

(3) السير، 288