الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٥٠

الإباضية في موكب التاريخ

248

الإباضية في ليبيا (1)

أبو زكريا يحيى بن سفيان اللالوتي

(1)

نشأ في "لالوت" هذه المدينة التي كانت مقراً للعلم، ومثابة للعلماء، وحسبه تعريفا شهادة العلامة أبي العباس حيث يقول: "وكان حاكما عادلا، وعالما فاضلا. وقد ذاع صيته، واشتهر بعلمه ودينه وعدله، حتّى عرفه الناس بذلك واعترفوا له، فكان يقدمه في الصلاة حتَّى المخالفون له في الْمَذهَب. وكان في مرتبة من التواضع واللين لا يصل إليهما إلا الندرة القليلة من عباد الله المؤمنين .. كان حاكمًا، ولكنَّه لم يكن من الطراز الذي يعرفه الناس هذه الأيام؛ إن الحكم عند أبي زكرياء وأضرابه يعنى التضحية بالوقت والجهد والمال، دون أخذ شيء، إنه أداء واجب لا شكر عليه، ولا مقابل له إلا. ما عند الله؛ ولذلك فإن الحكم على أولئك الذي يلون أمرا من أمور الأمة، فيتخذون ذلك وسيلة إلى ابتزاز أموال الأمة والانتفاع بجهود أفرادها .. إن هؤلاء قد خانوا الله، وخانوا الناس في أمانتهم.

كان أبو زكرياء يعمل كأي فرد من الناس، لا يرى لنفسه حقاً عليهم، فكان يقوم بزراعته كما يقوم بها أي شخص آخر. وذات يوم حصد الزرع، واحتاج إلى جمل يحمل عليه ما جمع من زرع، وكان له جار قد هيأ جمله ليحمل عليه زرع نفسه، فلما سمع بحاجة الشيخ أراد أن يؤثره على نفسه وذهب إليه بجمله فانتهره الشيخ، ولم يقبل منه هذا الإيثار، الذي طاب به الجار الكريم نفسا، وخشي العالم الحاكم أن يكون الجار أقدم على ذلك بدافع الخوف، أو بدافع الحياء، فلم يرد أن يتقبل مساعدة الناس على أحد الدافعين. وتقلب الزمن، وتغير وجه التاريخ، وتوفي الشيخ، فجاء ولده إلى نفس المكان، وحصد زرعه، واحتاج إلى جمل يحمل عليه، فذهب إلى جاره، وكان هو نفس الجار الذي انتهره الشيخ لما آثره على نفسه، وكان الرجل قد أعد زرعه وأعد الجمل ليحمل عليه، فطلب ابن الشيخ منه الجمل ليحمل عليه، فاستمهله الجار الطيب حتّى يوصل حمله ثُمَّ يرجع إليه الجمل؛ فغضب الشاب؛ لأن الرجل لم يؤثره على نفسه؛ فقال العامل الساذح الطيب: "إن ذا لمن العجب! .. الشيخ يغضب إذا آثرناه على أنفسنا، وابنه يهددنا إذا لم نؤثره (2).

(1) ذكره أبو زكريا في الطبقة السادسة؛ فهو من علماء النصف الثاني للقرن الرابع تولى حكم الجبل باتفاق أهل

الحل والعقد من علماء جبل نفوسة.

(2) راجع السير، ترجمة أبي زكرياء.