الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٥١الإباضية في موكب التاريخ
249
الإباضية في ليبيا (1)
إن الفارق بين الأب والابن فارق عظيم، فلقد كان الأب من أولئك الأبطال الذين ينتصرون على أنفسهم قبل أن يلتحموا بالمعارك الحامية بعيدا عن أنفسهم، والمؤمن إذا انتصر على الشيطان في معركة النفس سهل عليه أن ينتصر في كُلّ ميدان؛ وَلَكنَّه إذا انهزم في المعركة الأولى، فَإنَّه لن ينتصر في بقية المعارك، مهما بذل من جهد، وقد قال رسول الله: «رَجَعنَا مِنَ الْجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الأَكبَرِ؛ جِهَادِ النَّفْسِ» (1). لقد وثق المشايخ بأبي زكرياء فولوه شؤون الأُمَّة، وكان إلى قيامه بهذا العبء الثقيل لا يرزأ الأمة في شيء من مالها، وإنما كان يمون نفسه وأسرته بعمل يديه، كما يقوم بذلك أي فلاح عادي، وَلَمْ يشغله هذا العبء الثقيل عن مشاكل الناس، ولا هذا الكفاح الطويل في إعانة الأسرة، لم يشغله كُلّ ذلك عن ممارسة أحب عمل إليه، وإلى كُلّ عالم يتجه بعلمه إلى الله، ويقدم جهوده للأمة خالصة .. ذلك العمل الحبيب إلى كُلّ عالم يقدس المعرفة، والتعليم، ونشر الثقافة، وتربية الأجيال، ولقد خصص أبو زكرياء زمنا من وقته الثمين للتعليم، وهداية الناس، وإرشاد أبناء الأمة، وكان الطلبة يتسابقون إلى الارتشاف من هذا المنهل العذب، ويتزاحمون عليه تزاحم العطاش على الصافي النمير، ولقد كانت له دروس لا تقتصر على صغار الطلبة والمبتدئين، بل يحضرها كثير من الأجلاء. فإن مجالسه العامرة بالموعظة الحسنة والدعوة إلى سبيل الله لخليقة أن يحضرها كُلّ من تهفو نفسه إلى المزيد من الاطلاع على أسرار الشريعة السمحة، وكان في أحد هذه الدروس التي يتخذها لشرح وجهات النظر المختلفة، ويكشف فيها وجوه الرأي وآراء المجتهدين، ويعقب بذلك على تلك الآراء، ويرجح منها ما يوافق التيسير على الناس، وكان أبو الربيع حاضراً هذا المجلس، هذا الترخيص للشيخ، وترجيحه ما يقوم على اليسر والخفة من آراء العلماء وأقوالهم؛ فقام وهو يقول: "لا أحضر مجلسًا يفتى فيه بمثل هذا .. فأجابه العالم الأستاذ الذي يعرف مر أسرار الشريعة، ومن طبائع الناس، ودخائل نفوسهم ما لا يعرفه كثير من أصحاب العلم، ويفهم من طبيعة الحياة، ومن دواعي العمل، وما يناسب ذلك في مختلف الأزمنة والأمكنة، ما لا يفهمه الكثير، أجابه يقول: "إن لم ترد فقم" .. وقام أبو الربيع الغاضب وفارق مجلس الشيخ على هذه الحال، ولكنَّه ما توارى من الباب حتى قال الشيخ لطلابه: "ردوه؛ إن لم يفهم هو، فلا يفهم غيره" .. وتواثب الطلاب في خفة ليدعوه، فلاقوه راجعا فقد فكر واقتنع بوجاهة رأي الشيخ، وبعد
فغضب من
1) أخرجه العجلوني في كشف الخفاء، (1362، 1/ 511. (المراجع)
العلماء