الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٥٢

الإباضية في موكب التاريخ

250

الإباضية في ليبيا (1)

نظره، ومعرفته بأحكام الدين والأصول التي تبني عليها الفتوى وعرف أن العالم الذي يفتي للناس، يقوم بعمل يشبه عمل الطبيب، فقد يفتي لرجل بفتوى لا يفتي بها لشخص آخر في سؤال مشابه، كما يناول الطبيب شخصاً ما دواء لا يعطيه لمريض ثان له أعراض ذلك المرض. وقد رأى كثير من حذاق العلماء أن الغنى الذي يوفر لديه المال، وتجب عليه كفارة لا يفتى له بالإطعام، وَإِنَّمَا يفتى له بالصوم.

وأبو زكرياء من أخلص الناس إيمانًا وأشدهم ورعًا، وأغزرهم علما، فهو حين يقدم على عمل، أو يصرح بقول يكون قد فكر قبل ذلك، فأخلص العمل لربه، واستبرأ لدينه وعرضه. وخلاصة القول: أنه أحد أولئك الأبطال الذين انتصروا على الشيطان في أنفسهم، وقدموا أعمالهم الله خالصة، وقادوا أمتهم إلى الخير، دون أن يرزؤوها في مال أو دم، وقد كان مثلا للمسلم القانع الراضي بما قسم الله له، والعارف بحقيقة الدنيا وزخرفها. زاره المشايخ يوما فأكثر لهم اللحم، وكان الطعام قليلا، فاعتذر لهم بضيق الحال، وزاروه مرة أخرى فأكثر لهم الطعام وقدم لهم زينًا، وَلَمْ يقدم لَهُم لَحمًا، وَلَمْ يعتذر، فقيل له في ذلك؟ فقال: "لا تقصير مع الطعام والزيت".

إنه رجل لا يعرف المظاهر الجوفاء، وإنَّما يعرف الحقائق التي تنبني عليها الحياة، وحقيقة الغذاء

الذي تقوم عليه الحياة في الجبل إنَّما هو الطعام والزيت وليس اللحم مادة ضرورية في ذلك الحين. وَلَعَلَّ في قصة أم المؤمنين عائشة لها وزوجة معاوية بن أبي سفيان عبرة وموعظة لهؤلاء الذين يسرفون في اتباع الشهوات، فقد قيل: إنَّه قدم لأم المؤمنين عائشة عشاؤها الذي يتكون من خبز وزيت، وكانت زوج معاوية حاضرة، فدعتها أن تشاركها هذا الطعام، لكن الزوجة التي ربيت في بيت معاوية، وبين موائد الشام، اعتذرت لأم المؤمنين، وأخبرتها أنها تعودت تأكل أرق من هذا وأشهى، فرفعت إليها أم المؤمنين عينين متعجبتين وأخبرتها «أن رسول الله

أن

لله مات ولم يشبع من الخبز والزيت»، ولو أراد رسول الله لكانت له موائد أحفل مما يقدم لكسرى وقيصر .. وصدق الذي أوصى فقال: "لا تجعلوا بطونكم مقابر للحيوان". درس أبو زكريا على العالمين الكبيرين: أبي محمد مُحمَّد بن جَلداسن.

خصيب التَّمَصْمِصي، وأبي عبد الله