الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٢٥٣الإباضية في موكب التاريخ
251
الإباضية في ليبيا (1)
أبو عبد الله محمد بن جلد اسن اللالوتي"
نشأ في "لالوت" بلد الأشياخ والعلم كما قال أبو العباس، وقد تحدث عنه وقال فيه: "وكان بحر العلم الزاخر، وإمام الحكام الفاخر، قيل له: في بعض أحكامك ضعف"، قال: "اقعدوا على طريق الحطابة، فإن رأيتم معهم عودا يابا فصدقتم أني ضيعت شيئًا من الْحَقِّ".
وتكفي هذه الشهادة للدلالة على علم الرجل، وعلى عدله، وعلى قوة إرادته، وصلابته في الْحَقِّ، إنَّه يحكم ويعدل، وحين يتهم بالضعف في أحكامه يتحدى – في ثقة الرجل الذي يزن، قوته ويعرف سطوح حجته - أولئك الذين يتهمونه بضعف الأحكام، أن يظهروا له هذا الضعف الذي انتقدوه عليه في نتائج الأحكام، وما يعقبها من آثار، ويصمت المعارضون؛ لأنهم لا يجدون ما يردونه به على هذا التحدي، فهذه نعم الله تسبغ عليهم ظاهرة وباطنة، وهذه الخيرات مبثوثة على الطبيعة، وهذا الأمن منتشر، والسلام يسود الربوع، والناس مشتغلون بأعمالهم، راضون عن حياتهم، وحقوقهم مكفولة، لا يضيع منها حق، ولا يطغى قوي على
ضعيف.
الله
وكان إلى هذه القوة في الْحَقِّ، والمعرفة بالعدل ومجاريه عالما بأسرار الشريعة، يحارب الوسوسة والجمود، والتشدد في دين كان يوما "بشروس" وقد نزل مطر غزير فذهب إلى المسجد، ومشى بخفيه حتى دخل المسجد، وصلّى بالناس ليزيل من أفكار الموسوسين المتشددين ما يظنونه نَجا مما يتطاير من ماء المطر في الشوارع. وقف له بعد الصلاة أحد المؤمنين الذين يعرفون من أحكام الإسلام مثل ما يعرف ويعرف من طبائع النفوس البشرية بعض الجوانب التي غفل عنها العالم
(1) ذكره أبو زكريا في الطبقة السابعة: فهو من علماء النصف الأول للقرن الرابع: تولى الحكم على الجبل باتفاق
أهل الراي والعلم معاً.