الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٢٥٤

الإباضية في موكب التاريخ

252

الإباضية في ليبيا (1)

الكبير، فقال له: "إن متولى الناس مثل اللبن، يغيره أدنى ما يقع فيه"، وفهم الشيخ مـ ترمي إليه هذه الملاحظة الدقيقة واقتنع بوجاهتها، فلم يعد لمثلها، فإن بعض الناس قد يفسرونها بالتهاون وعدم الاحتياط والاستهتار، وهؤلاء الناس قد لا يجسرون على إبداء آرائهم هذه ومناقشتها بالحجة ليعرفوا حكم الله، وَلَكنَّهم يجعلونها مادة الحديث والتعليق وتنسى القضية نفسها، لكن الحكم المترتب عليها من المتهاون والاستخفاف ينتقل من أذن إلى أذن، حَتَّى يشيع وينتشر ..

كانت أم سحنون اللالوتية من فضليات العجائز مؤمنة عالمة ناصحة، وكانت مزاراً للمشايخ والعلماء، تفيض عليهم من أدبها، وعلمها، وخلقها، ودينها، ونصيحتها، وسار يوما أبو عبد الله في جماعة من المشايخ لزيارتها، فَلَمَّا كانوا ببعض الطريق، وقد قربوا منها، سمعوا أن حدثًا وقع بـ"جادو"، فاضطروا إلى الرجوع، واضطر أبو عبد الله بوصفه حاكم الجبل أن يعود ليرى هذا الحدث الذي وقع بجادو، مدينة نفوسة، ومركز الحكم في أكثر الأحيان، غير أن أبا هارون لم يرجع معهم، وأتم ما عزم عليه من زيارة هذه المرأة الصالحة، فَلَمَّا أخبرها برجوع المشايخ قالت: "يا أخي أخشى أن أكون ممن قيل فيهم: إذا زارت الأخيار فاسقا سد الملائكة الفجوج، وإذا زار الأشرار صالحا قيدتهم الملائكة (1).

عليهم

وسيرهم،

لقد كان أبو عبد الله من أولئك العلماء الذين امتلأت الكتب بأقوالهم وآرائهم أما الصورة الكاملة لحياة هذا الرجل فهي تشبه إلى حد كبير ما تقدمها من الصور التي عرفتها لأولئك الأعلام الذين وثقت بهم الأمة، فحملتهم أعباء الحكم .. وساروا بتلك الأعباء الثقال لا يتعثرون يعملون الله والأمة، لا يغرهم

السلطان، ولا تخدعهم المظاهر البراقة ولا يلتفتون إلى نعيم الدينا.

1) السير، 298

* * *